تصفية سياسية.. مَن الهدف الثاني؟!
د. نهلة الخطيب:
أصبح اللعب على المكشوف دون مواربة، وخرجت أمريكا من التخطيط في الغرف المظلمة إلى التخطيط في العلن، بعد أن أصبحت دولة شمولية يقودها ديكتاتور يمارس هوايته في (نشر السلام) وبقاء أمريكا قوة عظمى واحدة لقيادة العالم من خلال السيطرة وبسط النفوذ على الموارد والثروات، ولا أحد خارج الطاعة الأمريكية. وقد حلّ نتنياهو كأداة للتنفيذ ضيفاً عزيزاً على ترامب لوضع اللمسات الأخيرة على اعادة ترسيم خرائط المنطقة والعالم كله بلا استثناء، فتداعيات حرب غزة غيّرت وجه المنطقة وحملت تغييراً حقيقياً في موازين القوى وأحدثت تغييراً فعلياً على المستوى الجيوسياسي. الآن حان الوقت لإعادة التموضع العسكري بالمنطقة وتوزيع الأدوار لحماية المضائق وأماكن العبور وبدء عملية الجباية والاستثمار. ترامب يؤكد أنه لم يتبقّى حروب بالمنطقة التي شهدت أحداث عنيفة، ولطالما كذب!! كيف والمنطقة كلها داخل المشروع الصهيوني، وكرد فعل على السياسات الهستيرية للائتلاف اليميني المتطرف ستكون حروباً وجودية بلا هوادة تحرق كل شيء.

ضجيج ترامب في عام 2025 زلزال بلغ ذروته، تصفية سياسية تحت غطاء محاربة الإرهاب، فصل جديد من مسرحية الارهاب، (تنظيم داعش وقد عاد من جديد) ونشر الدين الإبراهيمي حيث الأمن والسلام! توزيع الهدايا، عطور فوّاحة لسلطة دمشق، والجولان هديّة لإسرائيل مع غض النظر عن توسعها بالجنوب السوري، وغالباً لن تخرج تنفيذاً لرغبة ترامب بضرورة توسيع مساحة إسرائيل، وبرغم رفض ترامب الاستيطان في الضفة الغربية، لكنّه قانوني (قانون الغاب)، فهي جزء من الكيان التوراتي (يهودا والسامرا)، وغزة (منتهي أمرها) فهي ترامبية بحتة والترحيل قرار، لا إعمار وشكل أخر للإبادة للتهجير بالقهر لا بالاختيار! وما أدرانا قد يكون أحد أهداف نتنياهو الاعتراف بالصومالي لاند كوطن بديل لسكان غزة، لا شيء يأتي صدفة!! وثمة عملية عسكرية ضد إيران والجنوب اللبناني والتحضير اكتمل بانتظار صفارة الانطلاق، وأظنها بدأت بالاحتجاجات التي تعم إيران، وتحذير ترامب من المساس بالمتظاهرين، وأول الغيث قطرة، ولكن تبعاتها لن تنحصر على الطرفين بما تمثله على مستوى الأمن الاستراتيجي لروسيا والصين. إعلان ترمب انضمام الغرين لاند رغماً عن أوربا والتخلي عنها وحيدة بمواجهة روسيا، وإعلان الحرب على نيجيريا وغزو فنزويلا للسيطرة على مواردها النفطية والغازية واختطاف رئيسها وإذلاله ومحاكمته، في الوقت نفسه الذي يطالب فيه ترامب بالعفو عن مجرم الحرب نتنياهو ورفض تسليمه لمحكمة الجنايات الدولية، بل معاقبتها، ألسنا في القرن الأمريكي ونظام الكومندوس العالمي الجديد بدل الجيوش النظامية؟ لا مفاوضات ولا استنزاف والحسم السريع، وقد لا تكون تركيا الحليف بمنأى عن هذا الزلزال ولعبة الخرائط التي تمس جزءاً من أراضيها حسب المشروع التوراتي، لا سيما بعد أن وجه نتنياهو رسالة تحذير لأردوغان لوضع حد للإمبراطورية التركية والعثمانية الجديدة، فهل بدأ حصار تركيا والضغط عليها؟؟
نتنياهو يخشى من التمدد التركي وإنشاء قاعدة سنية جديدة في المنطقة بقيادة تركيا، ويرى أن التمدد التركي بلغ حدوده كبديل للمشروع الإيراني وخاصة في سورية، طبعاً العرب خارج اللعبة، فممر داوود الذي تخطط له إسرائيل يبدأ من الجنوب السوري وهو تحت السيطرة الإسرائيلية باتجاه معبر التنف الحدودي السوري وهو حالياً تحت السيطرة الأمريكية، يتوغل شرقاً وصولاً إلى نهر الفرات حيث مناطق سيطرة قسد والربط مع إقليم كردستان العراق، هنا تكمن الأهمية الاقتصادية لإسرائيل، إذ يفتح لها الوصول المباشر للنفط بكردستان مع إمكان إنشاء خط أنابيب من أربيل إلى ميناء حيفا مباشرة، والسيطرة على منابع المياه والثروات العربية وتشكيل نفوذ سياسي جديد، وعسكرياً إنشاء شريط نفوذ أمني يمنح إسرائيل عمقاً استراتيجياً بإقامة مناطق عازلة منزوعة السلاح.
يعلم أردوغان ما يناقش في الغرف السرية فيجد نفسه في مأزق من خطر التمدد الإسرائيلي (سنكون الهدف الثاني) بعد أن كان أداة لتنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، تركيا من القوى الإقليمية في النظام الدولي تمتلك الكثير من مصادر القوة الاقتصادية والعسكرية والموقع الجيواستراتيجي، لكنها بلد مستهلك للغاز والطاقة وستكون أمام إشكالية وتحدٍّ بأمنها الطاقي والقومي بظل أزمات وحروب الطاقة، وخاصة بعد أن اقتربت من تحقيق الحلم بتحويل تركيا إلى مركز إقليمي للغاز يؤمّن توريدات تركيا من الغاز، إضافة إلى فرض رسوم عبور الغاز لدعم الدخل القومي وزيادة النفوذ الجيوسياسي، وأنشأت مشاريع استراتيجية وخطوطاً دولية وشبكة أنابيب محلية مع روسيا وإيران وأذربيجان وأخرى مع أوكرانيا واليونان لتأمين توريد الغاز إلى أوربا، فهي تشكل منطقة ربط بين آسيا وأوربا وتشكل منطقة عبور مهمة تتحكم بالمضائق والممرات المائية الحيوية التي تربط بين بحر إيجه والبحر الأسود، وسيطرة تركيا على شمال قبرص لتمتلك أطول ساحل على شرق المتوسط قادرة على فرض شروط على أي مشروع طاقة بالمنطقة، ومنها المشروع الصهيوني، جعلها الفريسة القادمة من سياسة التصفية السياسية مع اقتراب العملية العسكرية ضد إيران، فهل حقاً بدأ الصدام بين تركيا وإسرائيل حول تشكيل المنطقة؟
الأمور معقدة جداً وتركيا أمام مخاطر وجودية بدأت بتصعيد الاستفزازات الروسية لتركيا، فروسيا تضرب سفناً تركية وتركيا تلتزم الصمت، تزامناً مع زيادة التصعيد الإسرائيلي ضدها، ومن ملامحه اتفاقية الغاز المصري الإسرائيلية، ثم اتفاق عسكري واقتصادي بين اليونان وقبرص وإسرائيلي من أجل تطويق تمرير الغاز الاذربيجاني عبر شرق سوريا. هنا تبرز أهمية الساحل السوري والتنافس عليه بين القوى العظمى روسيا وأمريكا، رفض الوجود التركي ضمن مجلس السلام الترامبي في غزة، وفي سورية حول قسد في حال تحقق انضمامها للحكومة الانتقالية ستخرج تركيا بخفي حنين وهي المايسترو، إحراج تركيا بإسقاط الطائرة الليبية ومقتل حليفها رئيس الأركان، وأخيراً الاعتراف بالصومال لاند، كلها محاولات لتحجيم تركيا والضغط عليها لتكون أمام خيارين: إما الرضوخ وضمان مسار الغاز من شرق المتوسط لأوربا خارج النفوذ التركي، والقبول بتقليص نفوذها بممر داوود بسورية وغزة وليبيا، وإما بمواجهة ضربة عسكرية بالتزامن مع ضرب إيران. من الممكن جداً أن نشهد تحالفات جديدة تحدث انقسامات في المحاور: تحالف تركي مصري إيراني مع أريتريا والصومال والسودان، ولا عجب من انضمام السعودية!! بمواجهة تحالف إسرائيلي إماراتي أثيوبي بالبحر الأحمر، وربما نشهد مواجهة مباشرة على النفوذ بالبحر الأحمر، اقتتال الإخوة يلوح في الأفق ولا قيامة للعرب بعد الآن، كيف سيكون الأمر مع ترامب في حال نشوب هذا الصراع بين الحليفين: تركيا أطلسية الهوى، وإسرائيل الابنة الايديولوجية؟ لا علم لنا سوى أن إحياء الدولة العثمانية أكثر من أن يكون مستحيلاً حتى من الجانب الأمريكي الذي يقف إلى جانب إسرائيل وضد المشروع التركي، مرحلة خطيرة غابت فيها قوة المنطق وحل مكانها منطق القوة العسكرية والتكنولوجيا والبلطجة والإرهاب الدولي، ستكون نقطة تحول خطيرة ومؤلمة لأمريكا، تشي بأفول النجم الأمريكي.