على خُطا فيلسوف معرّة النعمان إلى بغداد
عبد الرزاق دحنون:
روى ياقوت الحمويّ في معجم الأدباء عند الحديث عن أبي العلاء المعريّ أنَّ رجلاً خرج ببغداد على سبيل الفرجة، فجلس على الجسر، فمرّت امرأة حسناء لقيها شاب ظريف، فقال: رحم الله عليّ بن الجهم، فقالت: رحم الله أبا العلاء. ومضى كلٌّ منهما إلى غايته، قال الرّجل: فتبعتُ المرأة أسألها عن شيء سمعته ولم أفهمه، فأجابت: أراد قول عليّ بن الجهم:
عيونُ المَها بين الرّصافةِ والجسرِ
جلبْنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري
وأردتُ قولَ أبي العلاء:
فيا دارَها بالحزنِ إنّ مزارَها
قريبٌ.. ولكنْ دونَ ذلك أهوالُ!
وأبو العلاء المعريّ يحدثنا، وهو صادق إذا تحدّث، بأنه لم يحتج إلى أستاذ ولا معلّم منذ بلغ العشرين. ونحن نعلم أنّه رحل إلى بغداد حين قارب الأربعين وأنّ شهرتَه كانت قد سبقته مع ديوان شعره الأوّل (سقط الزند) قبل أن تصل ناقته إلى بغداد. أحبّ أبو العلاء بغداد وأهلها، لما شغفه من خزائن الكتب فيها، فضلاً عن نشاط مجالسها العلميّة. وكنتُ ذات يوم قد عزمت عزماً صادقاً على تتبع الدّرب الذي سلكته تلك الناقة، وأن أجدّ في طلب ما بقي من أثرها حين شقّت طريقها في البادية حاملة شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشّعراء من معرَّة النّعمان إلى بغداد:
يَـا نَـاقُ جِـدِّي فَـقَـدْ أَفْـأتْ أَنَـاتُـكِ بِي
صَـبْـرِي وَعُـمْـرِي وَأَحْـلَاسِي وَأَنْسَاعِي
إِذَا رَأَيْــتِ سَــوَادَ اللَّــيْـلِ فَـانْـصَـلِـتِـي
وَإِنْ رَأَيْـتِ بَـيَـاضَ الـصُّـبْـحِ فَانْصَاعِي
وَلَا يَــهُــولَــنْــكِ سَـيْـفٌ لِلـصَّـبَـاحِ بَـدَا
فَـــإِنَّـــهُ لِلْـــهَـــوَادِي غَـــيْـــرُ قَــطَّــاعِ
وكنتُ آمل من ذلك إحياء هذا الدرب الثقافي المهمّ بين معرَّة النّعمان وبغداد، صحيح أنّ المهمة صعبة في مطارح كثيرة، ولكنّها ليست مستحيلة، وتستحقّ مني ومن غيري بذل الجهد من أجل نجاحها. لذلك الأمر جمعت مؤلفات فيلسوف المعرّة المطبوعة، وما كُتب عنه في مختلف الأزمان، وهو كثير على كل حال، ورحت أمعن فيه الفكر، علَّني أهتدي إلى الطّريق الصّحيح الذي سلكته ناقة فيلسوف معرَّة النّعمان في تلك المسيرة التّاريخيّة إلى بغداد. ولعلّ من أيسر السّبل إلى ذلك قصيدته المشهورة، التّي حكي فيها تفاصيل مُدهشة عن رحلته تلك والطّريق الذي سلكته الناقة برّاً، وأكملت الناقة الأخرى (السّفينة) مخر عباب مياه نهر الفرات.
جاءت القصيّدة في ثلاثة وثلاثين بيتاً أرسلها إلى أبي حامد الإسفراييني عند دخوله بغداد حين رحل إليها عام 398 هـ، ودخلها في العام اللّاحق، وفقاً لتوفيق ابن العديم بين آراء المؤرخين، وأقام بها سنةً وسبعة أشهر فقط. تقول بنت الشاطئ في كتابها (أبو العلاء المعري) الصادر عام 1965عن رحلة المعريّ إلى بغداد بأنّها كانت: الحدّ الفاصل بين شطرين من حياته، إنساناً وأديباً؛ شطرين مختلفين، شتّان ما بينهما.
سافر فيلسوف المعرَّة إلى بغداد وهو دون الأربعين من عمره، لكن التّراجم اليسيرة التي مرّت على سفر أبي العلاء إلى بغداد اختلفت في سبب الرحلة، فقيل: بأنّه أوذي في وقفٍ له، فرحل إلى بغداد متظلّماً من أمير حلب. لكن ابن العديم الحلبي في كتابه (الإنصاف والتّحري في دفع الظّلم والتّجري عن أبي العلاء المعري)، ينفي ذلك ويؤكّد: لم يرحل لطلب دنيا. وعلى كل حال، فالأخبار قليلة عن رحلة أبي العلاء إلى بغداد، لكن قصيدته (لَا وَضْعَ لِلرَّحْلِ إِلَّا بَعْدَ إِيضَاعِ) في ديوان (سقط الزند) التي يمدح فيها أبا حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفراييني (أحد أعلام بغداد) ويطلب منه أن يكون دليله وهاديه في متاهة دار السلام، تُعطينا لمحات عن تلك الرحلة الميمونة. يقول:
إِلَـى الـرَّئِـيـسِ الَّـذِي إِسْـفَـارُ طَـلْـعَـتِـهِ
فِي حِنْدِسِ الْخَطْبِ سَاعٍ بِالْهُدَى شَاعِ
يَـــمَّـــمْـــتُـــهُ وَبِـــوُدِّي أَنَّــنِــي قَــلَــمٌ
أَسْـعَـى إِلَـيْـهِ وَرَأْسِـي تَـحْـتِيَ السَّاعِي
ثمَّ يقول في السفينة:
سارت فزارت بنا الأنبارَ سالمة
تُزجى وتُدفع في موج ودُفّاع
والقادسية أدّتها إلى نفر
طافوا بها فأناخوها بجعجاعِ
نفهم من الأبيات أنه أخذ طريق الأنبار والقادسيّة. وفي القادسيّة لقيَهُ عمّال السّلطان، فاغتصبوا سفينته، واضطرّوه إلى أن يسلك طريقاً أخرى إلى بغداد. ومن أعجب ما تقرأ عن فطنته وذكائه، أنّ أبا العلاء لما عَبَر إلى بغداد، اجتاز في طريقه وهو راكبٌ على بعيره بشجَرة، فقيل له: طأطئ رأسك، ففعل. وأقام ببغداد مدّة إقامته بها. فلمّا عاد من بغداد إلى معرّة النعمان، اجتاز بذلك الموضع وقد قُطعت تلك الشّجرة، فطأطأ رأسه. فسُئل عن ذلك، فقال: هاهنا شجرة. فقيل له: لا شيء هنا. فقال: بلى، قد كان هاهنا شجرةٌ حين عَبرْتُ هذا مُنحدِراً إلى بغداد. فحفروا في ذلك الموضع، فوجدوا أصلها.
وقال يُخاطب القاضي أبا القاسم عليّ بن الحسن بن أبي الفهم التنوخيّ في قصيدة من البحر البسيط، وقد خشي عند وصوله إلى معرَّة النّعمان أن يكون عبد السّلام البصريّ صاحب خزانة الكتب قد غفل عن ردِّ ديون (تيم اللات)، فكتب إلى أبي القاسم بهذا الشّعر:
هَـاتِ الْـحَـدِيـثَ عَـنِ الـزَّوْرَاءِ أَوْ هِيتَا
وَمُــوقَــدِ الــنَّــارِ لَا تَـكْـرَى بِـتَـكْـرِيـتَـا
إلى أن يقول:
أُهْـدِي الـسَّـلَامَ إِلَـى عَـبْـدِ الـسَّلَامِ فَمَا
يَــزَالُ قَــلْـبِـي إِلَـيْـهِ الـدَّهْـرَ مَـلْـفُـوتَـا
سَــأَلْـتُـهُ قَـبْـلَ يَـوْمِ الـسَّـيْـرِ مَـبْـعَـثَـهُ
إِلَــيْــكَ دِيــوَانَ تَــيْـمِ اللَّاتِ مَـا لِـيـتَـا
هَــذَا لِــتَــعْـلَـمَ أَنِّـي مَـا نَـهَـضْـتُ إِلَـى
قَــضَــاءِ حَـجٍّ فَـأَغْـفَـلْـتُ الْـمَـوَاقِـيـتَـا
أَحْـسَـنْتَ مَا شِئْتُ فِي إِينَاسِ مُغْتَرِبٍ
وَلَـوْ بَـلَـغْـتُ الْـمُـنَـى أَحْسَنْتُ مَا شِيتَا
كان أبو القاسم عليّ بن الحسن القاضي التّنوخيّ، قد حمل إلى أبي العلاء جزءاً من أشعار تنوخ في الجاهليّة، مما كان جمعه والده، فتركه أبو العلاء عند عبد السّلام البصريّ وسأله ردَّه إلى أبي القاسم، ثمَّ أعجلته الحركة، فسار من بغداد، فخشي أن يكون جرت غفلة في الكتاب. يقول: قبلَ مسيري من بغداد، قد التمست إلى عبد السّلام، أن يردَّ إليك نسختَك من ديوان تيم اللات بالتمام.
قضى فيلسوف المعرَّة سنة وسبعة أشهر في بغداد، وغادرها (حَيرانُ القَلبِ مُعَذَّبُهُ/ مَقروحُ الجَفنِ مُسَهَّدُهُ)، فقد وصلته رسالة من أهله في معرَّة النّعمان تخبره بمرض أمّه، وشدّ رحاله مع الرّكبان إلى معرّة النّعمان. وقال:
أُوَدِّعُــكُــمْ يــا أَهْـلَ بَـغْـدَادَ وَالْـحَـشَـا عَــلَــى
زَفَـرَاتٍ مَـا يَـنِـيـنَ مِـنَ الـلَّـذْعِ
وَدَاعَ ضَــنًــى لَــمْ يَــسْــتَــقِـلَّ وَإِنَّـمَـا
تَـحَـامَـلَ مِـنْ بَـعْـدِ الْـعِـثَـارِ عَـلَى ظَلْعِ
إلى أن يقول:
فَـبِـئْـسَ الْـبَـدِيـلُ الـشَّأْمُ مِـنْكُمْ وَأَهْلُهُ
عَـلَـى أَنَّـهُـمْ قَـوْمِـي وَبَـيْـنَـهُـمُ رَبْـعِـي!