فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار
د. أحمد ديركي:
قبل الدخول الى القضية الفلسطينية واستكمال سلسلة المقالات تحت هذا العنوان الرئيسي، لا بد من الإشارة إلى أن الكيان الصهيوني لم يكن يوماً إلا مجرم حرب، وعدد خروقاته الموثقة لكل القوانين الدولية تفوق عدد خروقات أي دولة أخرى لهذه القوانين. ومن يود التأكد من هذه المعلومة ليعود إلى وثائق الأمم المتحدة رغم كل دعمها وتغاضيها عن جرائمه واحتلاله.
كيان يرتكب مجازر يومية بحق الشعب الفلسطيني وبدعم أمريكي علني وواضح وبدعم عربي مساو للدعم الأمريكي. وبعد احتلال فلسطين، بشكل شبه كامل، وقتل جزء كبير من سكانها بإجرام لم يشهد له العالم مثيلاً. إجرام تخطى كل جرائم ذهنية الطبقة البرجوازية وما أنتجته من ذهنية إجرامية وما تسببت به من حربين عالميتين وما أنتجته من عنصرية إجرامية من الفاشية الى النازية. ها هو ذا اليوم تحديداً أي بتاريخ 8/4/2026 يرتكب جريمة اخرى، إضافة سجل جرائمه التي لا تحصى، فقد شن سلسلة غارات وحشية على بيروت، وبتصريح من جيشه الاحتلالي قال إنها تعدت قصف مئة هدف خلال عشر دقائق، سلسلة استهدفت مباني سكنية يقطنها سكان ابرياء ما أدى إلى استشهاد وجرح ما يفوق ألف بريء، حتى اللحظة وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، جلهم من الأطفال والنساء والمسنين والمدنيين، وما زالت فرق الإسعاف والدفاع المدني تعمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأبرياء العالقين تحت الردم.
جريمة وحشية أخرى من جرائمه الوحشية يرتكبها بأسلحة القتل الأمريكية المقدمة له كهدية على إجرامه، ومدفوعة الثمن بأموال عربية وكل الأنظمة السياسية العالمية والمنظمات الدولية من الامم المتحدة وصولاً إلى أصغر منظمة غير حكومية لم تعترض على جرائمه ولم تُدِنه ولو ببيان. ومن أدانه أدانه ببيان خجول لا يزيد عن بضعة أسطر وبكلمات منمقة.
كيان يحتل فلسطين ويقتل الأبرياء فيها وفي لبنان علناً ويكفنهم بالقوانين الدولية ليدفنهم جميعاً تحت قدمي القوى الإمبريالية الحامية لجرائمه، وعلى رأسهم الأمريكية، لأنه يحقق مصالح الطبقة البرجوازية.
لن يكون هناك سلام ما دامت هذه الطبقة تهيمن على العالم ولن يكون هناك إنسان حر في العالم العربي ما دامت فلسطين محتلة من قبل هذا الكيان. لنقاوم بشتى الوسائل الممكنة هذا الكيان رأس الامبريالية في المنطقة، ولنستكمل نضالنا مع شعوب العالم المضطهده وطبقته العاملة لتحرير العالم من هذه الطبقة البرجوازية مولدة الذهنية الإجرامية، ومنفذتها بحق الطبقة العاملة.
اتفق الصهيو-أمريكي والإيراني على وقف إطلاق النار بينهما. ولا يمكن تأكيد هذه الهدنة، التي يقال إنها لمدة أسبوعين، لأن الصهيو-أمريكي كاذب ولا ثقة بأقواله.
كذبه لا ينبع من فراغ، بل من توهمه بأنه الأقوى في العالم ويمكن أن يفرض عليه ما يشاء، وينهب ما يشاء من ثرواته من دون أن يقول له أحد ماذا تفعل؟ أو لماذا تسرق ثروات بلادي؟
هكذا تتصرف الطبقة البرجوازية الأمريكية ناقلة تصرفها هذا إلى الصهيوني ليتصرف كتصرفها في العالم العربي لأنه الحارس الأمين الأول لمصالح هذه الطبقة البرجوازية الأمريكية بعد ان كان للطبقة البرجوازية الأوربية. والحارس الثاني من بعدها للبرجوازية العربية والدول الحديثة فيه، لأن ما الدولة الحديثة إلا أداة في يد الطبقة البرجوازية. هذا إذا قرأنا البيان الشيوعي، وإن لم نقرأه فتكون الكارثة أكبر لأننا نتوهم أننا نحمل الفكر الماركسي-اللينيني ولا نجيد القراءة لفكر يقوم على القراءة وفهم ما نقرأ.
انطلاقاً من هذه القاعدة الفكرية كل تطور يطرأ على الدولة يطرأ على البرجوازية، والتطور في أساسه يقوم على مدى تطوير العلوم التي تصب في خدمة هذه الطبقة. لذا تستثمر هذه الطبقة في كل علم يصب في خدمتها، وتحجب استثماراتها عما لا يصب في خدمتها ليبقى هذا العلم أقل تطوراً من ذاك.
وهذه إحدى الاشكاليات المعقدة لطبيعة العلاقة بين العلم والطبقة البرجوازية والدولة بمفهومها الحديث.
وإذا ما نظرنا بالخطوط العريضة إلى هذه العلاقة في دول العالم العربي لوجدنا شبه انعدام فيها بين العلم والطبقة البرجوازية والدولة الحديثة. وما أكثر الأدلة على هذا الأمر، ومن أولها أين موقع دول العالم العربي من صناعات العالم. بعيداً عن ذريعة الخطاب الرسمي للدول العربي بأن الاستعمار لا يسمح لنا أن نتطور!
من هنا عندما أتت الطبقة الأوربية المستعمِرة للعالم العربي بصيغة الانتداب، بعد أن فككت الإمبراطورية العثمانية، صدّرت إليه الحركة الصهيونية لتحتل فلسطين ولتكون حامية لمصالحها في المنطقة، بعد أن دربت هذه الحركة ضمن معسكراتها النظامية على كل أنواع الإجرام.
في المقابل كان العرب خارج كل دائرة العلم واستخداماته الإنتاجية وفي حال من التقوقع القبلي والمذهبي والطائفي وبدايات تشكل طبقة برجوازية تابعة في تشكلها لمصالح البرجوازية الأوربية. فعندما شكلت البرجوازية الأوربية دول العالم العربي وفقاً لمخطط سايكس-بيكو نصبت البرجوازية العربية التابعة في رأس الهرم السلطوي لهذه الدول. ما يعيدنا الى مقولة الدولة الحديثة أداة في يد الطبقة البرجوازية.
وعت الشعوب العربية لواقعها فثارت على هذه الأنظمة، وكان أول من قمعها هم البرجوازية العربية التابعة من خلال استخدام الاجهزة القمعية للدولة الحديثة. والصهيوني بدعم من البرجوازية الاوربية والعربية التابعة يفتك بفلسطين وشعبها.
فوجدت الشعوب العربية وتحديداً من وعى هذا الصراع الطبقي نفسها أمام أكثر من عدو: الأول داخلي، وهو البرجوازية العربية التابعة المهيمنة على السلطة السياسية، والثاني هو الاستعمار الاوربي الداعم لها، والثالث الصهيوني الذي زرعه الاوربي في فلسطين ليكون حامياً لكلا البرجوازيتين، الاوربية والعربية التابعة.
صراع معقد، بخاصة بعد أن عملت الدول الحديثة في العالم العربي، وهي دول شكلاً لا مضموناً، وكل داعميها بارساء أفكار تتوافق مع مصالحها وبخاصة فكرة القومية المتقوقعة ضمن حدود هذه الدول، والعمل على تكريسها لالغاء فكرة أوسع عن القومية وهي القومية العربية. لأن في تقوقعها تخلق العداء بين الشعب الواحد الموزع على أكثر من دولة. عداء يكرس الموقع الطبقي لهذه البرجوازية كما يكرس حليفتها الدولة الحديثة، التي انشأتها البرجوازية الأوربية عبر اتفاقية سايكس-بيكو.
فعملت هذه الانظمة الحديثة على تكريس التفرقة ليس فقط بين الشعب العربي، وتقسيمه الى شعوب عربية، بل عملت أيضاً على تكريس التناحرات الداخلية، بين (الشعب) الواحد الواقع تحت نير استعباد هذه الدولة او تلك. فكرست التناحرات الداخلية على كل المستويات من المناطقية وصولاً الى المذهبية. تناحرات أبقتها مخفية تحت ستار الدولة الواحدة.
كل هذا التعقيد في النشوء سهل غرس الكيان الصهيوني في فلسطين واحتلها تارة تدريجياً وتارة بتسارع أكبر، والانظمة العربية بكليتها، حتى تلك التي قالت أو ادعت أنها ضده سهلت احتلاله لفلسطين.
فاخذ الصهيوني الذي تتلمذ على فنون الإجرام والاحتلال من الاوربي بتطبيق ما تتلمذ عليه في فلسطين. طبعاً هنا نعود الى بابه وكتابه (التطهير العرقي في فلسطين)، وكذلك الخالدي وكتابه (كي لا ننسى)، وما قام، وما زال يقوم، به الصهيوني من جرائم ضد الشعب الفلسطيني، منذ 1948 وما قبلها لأن جرائمه في حينها لم تكن وليدة لحظة. فعملية التطهير العرقي الذي قام بها في حينها تم التخطيط لها بشكل مسبق ومنح الضوء الاخضر من قِبل كل القوى الامبريالية، في حينها، إضافة إلى البرجوازية العربية التابعة.
جرائم ارتكبها بدعم أوربي مباشر وصمت عربي تام، وكيف له ألا يصمت وبرجوازيته التابعة مصالحها ترتبط بمصالح البرجوازية الأوربية؟
من جهة أخرى والعودة الى مسألة العلم. من الواضح ان العالم العربي، طبعاً المقصود برجوازيته وأنظمته السياسية، أهملت كسب العلوم على المستوى الشعبي. وعملت على الدفع باتجاه العلوم التي تخدم سوق العمل، الذي يخدم الطبقة البرجوازية.
فالعالم العربي بكل إمكانياته المادية لم يقدم على تطوير علوم الفيزياء، على سبيل المثال، وهي واحدة من أبرز العلوم التي تستثمرها فيها البرجوازية الاوربية والأمريكية، لأنها عنصر مهم في تطوير الاسلحة. طبعاً إضافة إلى أهميتها في صناعات أخرى.
لكن التركيز عليها، من قبل رأس المال، يجعلها بداية تحت هيمنته لتتحول الى المصانع العسكرية لتطوير الاسلحة، والدولة اداة في يد البرجوازية، فتمتن عن طريقها الطبقة البرجوازية موقعها الطبقي فتقمع من خلال اجهزة الدولة القمعية كل تمرد او عصيان او ثورة عليها، باستخدامها آخر التقنيات الحديثة القاتلة التي طورتها علوم الفيزياء. هذا على مستوى الداخل.
اما على مستوى الخارج، تدفع الدولة بقوتها العسكرية المزودة باحدث التقنيات القاتلة التي انتجتها الفيزياء باتجاه احتلال مناطق جديدة اقل منها تطوراً، فتهيمن عليها وتنهب ثرواتها الطبيعية ليعاد انتاجها، اي تحويلها من مادة خام الى منتج صناعي، في الدول الاستعمارية ومن ثم يعاد الى الدولة التي نُهبت منه المادة الخام كمنتج صناعي ليباع فيه. فتحقق الطبقة البرجوازية في المركز أرباحاً مرتفعة، والبرجوازية التابعة تعتاش على ريع بيع المواد الخام في بلادها التي أنشأتها لها البرجوازية الأوربية.
وإذا ما ارادت هذه البرجوازية التابعة ان تفك مصالحها عن برجوازية المركز، فالصهيوني لها بالمرصاد. كيان وهبته البرجوازية الاوربية كل مستلزمات بقائه العسكري الاحتلالي في فلسطين، ليبقى متفوقاً في هذا الحقل، كما وهبته مستلزمات بقاء اقتصاده منتعشاً. مع لحظ أن بقاءه الاقتصادي من خلال الهبات التي تمنحه اياها هي من أموال الدول العربية المستثمرة في اوربا، لا من الاموال الاوربية. كما وهبته التغطية السياسية والحماية السياسية لارتكاب أبشع المجازر بحق الشعب الفلسطيني وكل مقاوم له، بغض النظر عن جنسيته، او لونه او عرقه.. أينما وجد من دون ان يوجه اي اصبع لوم لهذا الكيان لارتكابه هذه الجرائم.
وما المؤسسات الدولية والمنظمات الدولية من الامم المتحدة وصولا الى اصغر منظمة لا حكومية الا داعمة له، لان جميعها يقوم على اموال تتبرع بها البرجوازية لتكريس الافكار الاستعمارية البرجوازية وضمناً الافكار الدينية مثل (الاحسان) و(التصدق) و(المساهمة) و… وكأن الاموال التي تنهبها الدولة من مواطنيها بالضريبة التي تجنيها منهم ليست للمواطنين، بل هي أموال للدولة كي تنفقها على تطوير اجهزتها القمعية وتطوير اسلحتها لتوسيع استعمارها.
لقد صُنع هذا الكيان لهذه الوظيفة، وما زالت وظيفته قائمة. وستبقى قائمة ما دامت هناك طبقة برجوازية، سواء في المركز أو في الاطراف. لن تتحرر فلسطين والاراضي العربية التي احتلها هذا الكيان، ولن يتوقف عن ارتكاب جرائمه اليومية بحق الشعب الفلسطيني أو اللبناني أو السوري، وبخاصة بعد ان احتل جزءاً كبيراً من جبل الشيخ بصمت تام من قبل النظام السوري القائم حالياً تجاه هذا الاحتلال الاضافي من أراضي سورية، الا بعد القضاء على كل الطبقة البرجوازية في المنطقة العربية. ولا يمكن للثورة ان تنتصر وتحقق الاشتراكية ان حصرت في دولة واحدة، لهذا على عمال العالم ان يتحدوا ليحرروا العالم من هذه الطبقة واقامة البديل الثوري عنها، ألا وهو ديكتاتورية البروليتاريا. ومن يخاف من مصطلح دكتاتورية عليه العودة الى قراءة الادبيات الماركسية اللينينية ليفهم ماذا تعني، وكيف لها ان تكون البديل الجذري للديمقراطية الرأسمالية لتحقيق الاشتراكية العلمية.
لذا تبقى فلسطين بوصلة النضال الطبقي.
يتبع وإن عجزت على القيام بهذا العمل المضني فالباب مفتوح لمن يود الاستكمال.