ترامب العائد من جديد!

د. صياح فرحان عزام:

بداية، هناك أمرٌ مسلّم به، وهو أن أي رئيس أمريكي، محكوم بمعايير ومحدّدات لا يمكن تجاوزها أو القفز عنها، ومع هذا فالرئيس ترامب الفائز هو أول رئيس جمهوري يفوز بالتصويت الشعبي وبأصوات المجمع الانتخابي معاً، منذ أكثر من عشرين عاماً، كما يشير إلى ذلك أكثر من باحث أمريكي، ومن المنتظر أن يستفيد من تجربته الأولى في الحكم ما بين 2016 -2020 أي قبل أربع سنوات.

إذاً، هو الرئيس الأمريكي السابع والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن من الأمور الصعبة مع رجل بعقلية رجل المال والعقارات التي تحكمها المصالح الشخصية، التكهن حول ما يدور في ذهنه وقراءة سياسته المتقلبة تجاه سورية لجهة سحب القوات الأمريكية منها، واستمرار دعم (قسد) أو رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية، إلا أنه ليس من المستبعد أن يجنح قليلاً نحو التقارب من دمشق، ولاسيما بعد أن حصل حزبه الجمهوري على الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، نقول هذا في ضوء ما صرح به عام 2019 عندما قال لصحفيي البيت الأبيض: (إن الولايات المتحدة الأمريكية ليست شرطياً، وحان الوقت لعودة جنودنا إلى الوطن).

لا شك بأن الظروف في ولاية ترامب الثانية قد تبدلت، فالحرب في أوكرانيا قد أصبحت أكثر شراسة، لاسيما في ظل الدعم الأمريكي والأوربي لنظام زيلينسكي بالسلاح والمال وفي مجال الإعلام، أملاً في هزيمة روسيا، والحروب في منطقة الشرق الأوسط مستمرة ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، ثم امتداد الحرب إلى لبنان، وهناك توتر في شبه الجزيرة الكورية وفي بحر الصين الجنوبي، الأمر الذي يهدد بنشوب حرب جديدة وخطيرة.

بالطبع هذه كلها تحديات كبيرة سيواجهها ترامب في ولايته الثانية التي ستبدأ رسمياً بعد دخوله إلى البيت الأبيض في مطلع شهر كانون الثاني 2025، علماً بأنه تعهد أثناء حملته الانتخابية بالعمل على إنهاء هذه الحروب بسرعة، لاسيما في أوكرانيا وغزة ولبنان، وفور فوزه بالانتخابات الرئاسية، ولكن مع هذا فإن جوهر اهتمامات ترامب يبقى موجهاً باتجاه الداخل وليس باتجاه الخارج وفقاً لشعاره (إعادة أمريكا العظيمة) والدعوة للأمركة على حساب العولمة.

ويتوقع الباحثون في الشؤون الأمريكية أن (ترامب الجديد) سوف يخفف من لهجته المتشددة والواثقة في كل ما يصدر عنه من تصريحات ومواقف، ولن يمارس دور المحارب على الجبهات كلها، ولن يجعل الإعلام خارج حساباته. وبمعنى آخر فإن المشهد يوحي بأن ترامب سيعيد إنتاج عهده الأول، لكن بنضج أكبر وبرؤية أفضل.

بقي أن نشير إلى أمر مهم لعب دوراً في فوز ترامب، وهو أن الجالية العربية والإسلامية في أمريكا، والناشطين المؤيدين لفلسطين لعبوا دوراً بارزاً في تحقيق نجاح ترامب في المنافسة الانتخابية، لأنهم كانوا سبباً مباشراً في معاقبة الحزب الديمقراطي على (شراكته الجرمية) في جرائم القتل الوحشية في فلسطين ولبنان، والتي ارتكبها الجيش الصهيوني وبأسلحة أمريكية فتاكة.

على أي حال، أسئلة كثيرة تدور في الأذهان، منها ما يطرح ومنها ما يبقى سرّاً حول الممارسات والسياسات التي سيتبعها ترامب، إذ إن الأيام والسنوات القادمة هي التي تكشف ذلك، وبالتالي ما على المتسائلين إلا الانتظار.

العدد 1191 - 18/03/2026