ثابت عزاوي (أبو زهير).. شيخ معتقلي سجن المزة

مقدمه – نبيه جلاحج:

منذ عدة سنوات أرسل لي زهير عزاوي ابن شقيق المناضل الكبير ثابت عزاوي، عن طريق الرفيق ناجي العقيلي، صورة عن مذكرات عمه التي كتبها بخط يده عن فترة اعتقاله في سجن المزة خلال مرحلة الوحدة السورية المصرية بعد خروجه من السجن.

وأثناء تصفية ما لديّ من وثائق حزبية قديمة، قمت بتسليم هذه المذكرات إلى الرفيق الأمين العام للحزب نجم الدين الخريط.

وقد ارتأيت أنه من المناسب بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الحزب عرض أهم ما ورد في هذه المذكرات، أي أنها ليس تلخيصاً لها، فقد بلغت سبعين صفحة من الحجم الكبير، نظراً للصعوبة البالغة في تحقيق ذلك، وإنه مجرد عرض لبعض الوقائع كما وردت آملاً أن يقوم الحزب لاحقاً بطباعة هذه المذكرات وتوزيعها.

وأشير هنا إلى أنه لم يسعفني الحظ في الالتقاء بالمناضل أبو زهير طوال فترة وجوده في السجن نظراً لكونه كان ينتقل من مهجع إلى آخر، ولم يعرف إن كان من بينها المهجع الذي كنت موجوداً فيه.

والرفيق ثابت عزاوي ولد في عام 1900، وقد جرى اعتقاله في 30/12/1958 من منزله في دير الزور، من قبل رجل المباحث آنذاك عبد المنعم ياسين، وجرى نقله مع معتقلين آخرين نذكر منهم كمال عدوان، ودكران أنوسيان وعبد الحميد الحافظ وعبد الكريم فتيح.. إلى دمشق وأدخلوا إلى سجن المزة حيث التقى بمعتقلين آخرين منهم أيوب شمعون وياسين جعفر وأحمد حلبي.

بعد حوالي أسبوع بدأت عمليات التحقيق مع المعتقلين فرداً فرداً، من قبل لجنة تحقيق اتهمته في الجلسة الأولى بأنه هو باعث الأفكار في منطقة الفرات، فأقرّ بأنه هو باعث للأفكار الوطنية فعلاً. ثم عُرض عليه التوقيع على بيان يتضمن هجوماً على خالد بكداش وموقف الحزب من الوحدة العربية والقومية العربية، فنفى انتسابه إلى الحزب الشيوعي باعتبار ذلك أمراً واقعاً ورفض التوقيع على البيان الذي عرض عليه.

في 15 شباط تم نقله على المهجع حيث تعرف هناك على محمد أمين وجورج عويشق وصلاح دهنة وإليان ديراني وأكرم موصلي ونديم رمضان وكمال كوا وشوقي بغدادي ومراد قوتلي وبشار موصلي وسعيد حورانية وأميل صليبي وأحمد محفل وعبد الباقي صالح وسميح جمالي وعمر سباعي وعبد الكريم طيارة وعبد الكريم أبازيد وعمر قشاش ومحمد جاموس وغيرهم.

واستمر هذا الوضع حتى 5 نيسان 1959.

وقد كان يقوم أحياناً بصفته رئيسا للمهجع بمقابلة مدير السجن للاحتجاج على سلوك بعض السجانين مع المعتقلين.

اشتدت حملات التحقيق والتعذيب من 5 نيسان 1959 حتى شهر آب حيث أخذ المحققون بدعوة من يريدون التحقيق معه إلى المباحث لإرغامهم هناك على التوقيع على بيان يتهم الحزب الشيوعي بالخيانة للقوى العربية والوحدة العربية.

يقول أبو زهير (إلا أنه ورغم كل الوسائل الإرهابية وأنواع التعذيب التي لجؤوا إليها فكل الموقوفين [ظلّوا] صامدين تحت التعذيب في أشهر التحقيق الأولى وذلك بصورة عامة).

(لقد كنت أحس بآلام المعذِّبين، مثلما أحس بآلام المعذَّبين، فينهار معها صبري وجلدي على مشاهدة هذه المواجع تمر أمامي يومياً كل مساء حتى منتصف الليل).

(وكان سميح الجمالي يهدّئ أعصابي كلما توترت تحت ضغط المشاهد المؤلمة).

ثم يروي أبو زهير بعضاً من مشاهد تعذيب بعض المعتقلين ويضيف: (لقد كنت أشفق على المعذّبين لأنه لا توجد ثمة حرية وطنية تتيح ما حدث في سجن المزة).

ويضيف (إن الشعارات التي يناضل تحت لوائها الحزب الشيوعي قبل الوحدة وبعد الوحدة إنما كانت شعارات وطنية ديمقراطية منبثقة عن قوى التحرر الوطني).

(وكان يثار في السجن نقاش عن معرفة الأسباب التي تدفع عبد الناصر لهذا الحقد من الحزب الشيوعي، وكذلك حول الأسباب التي دفعت قيادة الحزب لدفع قواه في أرض مكشوفة للعدو وإثارة معركة في وقت وظروف غير ملائمة).

في أواخر أيار 1959 اشتدّت معاناة أبو زهير من (الباسور)، وجرى نقله وإسعافه عدة مرات للمشفى، ورغم تقارير الأطباء بضرورة إجراء عملية جراحية لم يتم ذلك وأعيد إلى سجن المزة دون إجرائها.

بعد فترة استدعاه المحقق عبد المنعم ياسين، الذي قام بمناقشته حول موقف الحزب من الوحدة العربية والقومية العربية، وشارك في هذا النقاش الملازم شتيوي حول الاشتراكية.

في شهر تموز بدؤوا يطلبون عدداً من المثقفين والمسؤولين في الحزب الشيوعي إلى المباحث، (فمنهم من يعود إلى السجن ومنهم من يقدم خضوعه ويطلق سراحه).

(في أواخر تموز 1959 جاء دوري، فنزلت مع أحمد محفل وعمر سباعي والكوراني وسميح جمالي وكل هؤلاء من عيون الحزب).

(وهناك وجدنا في المباحث راتب حنونه وشوقي بغدادي وحسيب كيالي وقد جرى التحقيق من قبل سامي جمعة الذي ظل يراودني على ارتكاب الرذيلة، وساعده في النقاش منير فرح الذي كان مسؤولاً عن منظمة دمشق).

وبعد التحقيق مع أحمد محفّل وعمر السباعي وسميح جمالي والكوراني جرى إعادتهم إلى سجن المزة.

ثم جرى حوار مطول آخر مع عبد الوهاب الخطيب حول موقف الحزب من الوحدة وغياب خالد بكداش عن جلسة البرلمان السوري وموقف الحزب من الإصلاح الزراعي، وكان يمر إلى الغرفة خلالها رفيق رضا ويقدم أحاديث ثنائية مفترياً على الحزب وقائده خالد بكداش.

خلال هذه الفترة كانت تذاع على المعتقلين خطابات عبد الناصر وبيانات بعض المعتقلين ضد الحزب.

وقد التقى أبو زهير في المباحث الشاعر شوقي بغدادي الذي اعتبر نفسه بعد الموقف الذي اتخذه أنه أضحى (ميتاً)، علماً أنه كان من نظم في السحن نشيد (اضرب يا جلاد) كما كان قد نظم رثاء السيد البدوي.

(وكانت الأيام التي قضيتها في حمى الأعصاب التي تدور معاركها بسمعي وبصري مثيرة تجبرني في العودة إلى السجن بأي ثمن، والواقع أن الأيام التي قضيتها في المباحث أمضى على نفسي من الشهور التي مرت علي في السجن بما في ذلك شهور أطول على فداحتها).

بعد ذلك أحضر له شتيوي سيفو وسامي جمعة طاولة وورقاً وقلماً وطلبوا منه أن يكتب شيئاً ولو كان سبباً لهم، فقام بكتابة مداخلة طويلة يصعب تلخيصها، تضمنت رأيه الخاص وقناعاته حول مفهوم الأمة العربية ومبدأ الوحدة العربية التي كان ينادي بها في محاضراته قبل الوحدة، ومشاركته بالنشاطات والاحتفالات بإعلان الوحدة والتصويت على الدستور وانتخاب عبد الناصر رئيساً للجمهورية، الذي عرفه ثائراً في خطاب تأميم قناة السويس، وتلقّى دعماً عالمياً في مؤتمر باندونغ، وقائداً في معركة بور سعيد وأكد أنه ليس عضواً في الحزب الشيوعي كي ينسحب منه.

بعد كتابة هذه المداخلة بثلاثة أيام تمت إعادته إلى سجن المزة حيث استقبل من رفاقه بفرح منهم وأغرق بالقبلات الحارة وكان ذلك في 15 آب 1959.

في ذلك المساء طُلب للتحقيق من قبل شتيوي، الذي طلب منه توقيع بيان بالانسحاب من الحزب (وسبّ خالد بكداش)، وأكد له أنه لا يمكن أن يخرج من السجن دون توقيع مثل هذا البيان ولو بقي عشر سنوات. وإذ رفض ذلك أعيد إلى المهجع، وكان قد بقي في السجن في ذلك الحين حوالي 300 سجين.

يذكر منهم أحمد محفل ومحمد أمين وجورج عويشق وخالد حمامي وماهر جاجة من الذين تركوا في نفسي أثراً عميقاً وميشيل عيسى وحنا دياب وعلي مبيض وقد أطلقوا عليه اسم الاب الروحي للجميع.

في تلك الفترة (كان يشغل بالنا مصير فرج الله الحلو، وكان كل ما يهمنا الاطمئنان على حياته، وهذا لم نظفر به حتى خروجي من السجن).

في أواخر 1959 لم يبق في السجن سوى 120 سجيناً تقريباً، وكانت الحياة اليومية تمر في المناقشات والمساجلات الأدبية والسياسية وتحليل الأخبار التي تصل للمعتقلين.

في إحدى الأمسيات أوحي إليه (…) الشعر كما يقول بكلمات يشعر بها السجين نقلها حسبما يذكر إلى ذاكرة الصديق ماهر جاجة (يمكن نشرها كملحق لهذه المذكرات).

في حلول أكتوبر 1959 جرى الاحتفال بثورة أكتوبر وزينت المهاجع بما هو متوفر ونظم عمر أمين قصيدة تحيي الذكرى كما أوحت له المناسبة بقصيدة استطاع أن يسجلها بعد خروجه من السجن.

كان جورج عويشق قد استطاع أن يدخل إلى المهجع الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد حيث قام بقراءته ودراسته بعمق وتحليل الأحداث التي وردت فيه.

في 28 شباط 1960 قابله عبد الوهاب الخطيب الذي قال له إن سيادة الرئيس قد أمر بالإفراج عنك وأنت حر طليق من الآن، وقال له (إن أختك قد قابلت الرئيس بدير الزور ووعد بإطلاق سراحك وها هو ينفذ وعده).

أطلق سراح أبو زهير في الليلة ذاتها، وبعد قضاء ليلتين في دمشق غادرها إلى دير الزور صباح 3 آذار 1960.

المجد والخلود للمناضل الكبير ثابت عزاوي

 

ملحق مستقل

(نشيد السجن)      من نظم ثابت عزاوي

 

يارفاق السجن هيّا               لا خضوع لا ضجر

هاهو الفارس منا                صاعداً نحو القمر

يمتطي العلم جناحاً              ريشة لهب الفكر

***

أيها الكادح هيا                   لنضال مستعر

يمحون الداء الدرىء            بين أحشاء البشر

يرفع الرايات حمراً                     تائهات في خضر

***

يا بني الأكواخ هيّا               حطّموا كل القيود

واجعلوا الأرض مشاعاً         لا سياجاً لا حدود

واملؤوا الحقل ضياءً             تملؤوا الدنيا ورود

***

ها هي الثورة تنتشر                    في ضفاف الرافدين

يا ضفاف النيل حيّوا                   فجروا الحقد الدفين

واسحقوا الطغيان سحقاً          مقتدين بلينين

***

نوروا الحزب نهوضاً           ننجز الأمر الخطير

ندع التاريخ صعداً               في الطريق المستنير

نبني للسلم صروحاً              لا احتكار لا أجير

 

العدد 1195 - 23/04/2026