ترامب يحتــــــاج بشــــدة إلى مخرج من هذه الحــــــرب الآن
على مدى أسابيع، ظل هذا هو الموقف الأوربي المتزايد الثقة بشأن الصراع في إيران: أنها لم تطلب هذه الحرب غير الموفقة، ولا يُتوقع منها الانضمام إليها وهي تجهل جرائم الحرب التي قد يُخطط لها دونالد ترامب لاحقاً، وبالتأكيد ليست ملزمة بإخراجه من مأزقه الذي وقع فيه عمداً.
وبالنسبة لكير ستارمر تحديداً، كان البقاء خارج الحرب والتعبير عن استيائه بمثابة جائزة نادرة وفرصة للقيام بما يرغب حزب العمال بشدة في فعله، والذي يصادف أنه الصواب والشعبي في آن واحد. ومع ذلك تكمن مشكلة عبارة (ليست حربنا، ليست مشكلتنا) في أنه، اعتباراً من نهاية هذا الأسبوع، لم يتبق منها سوى نصف الحقيقة.

لا تزال ليست حربنا: فقد استبعدت داونينغ ستريت إرسال سفن حربية للانضمام إلى الحصار البحري الجديد الذي فرضه ترامب على إيران، والذي يهدف إلى مجاراة الإيرانيين في لعبتهم من خلال منعهم من تصدير نفطهم إلى الأسواق ما لم يسمحوا أيضاً بحرية المرور عبر مضيق هرمز للجميع. لكن قرار الرئيس مرة أخرى بالتصعيد بدلاً من التفاوض عند إحباطه يحول هذا الأمر إلى مشكلة الجميع، سواء أعجبنا ذلك أم لا.
مع ارتفاع أسعار النفط وانخفاض أسعار الأسهم فور إعادة فتح الأسواق بعد عطلة نهاية الأسبوع، تحوّل اجتماع صندوق النقد الدولي المقرر عقده منذ فترة طويلة في واشنطن يوم الاثنين إلى قمة أزمة قبل حتى أن تنزل راشيل ريفز من الطائرة. ومع تلاشي الآمال في إنهاء هذا الصراع مبكراً، يجري بالفعل مراجعة توقعات النمو العالمي بشكل متشائم نحو الأسفل تحسباً لصدمة طاقة مطولة، بغض النظر عن إمكانية تغيير ترامب لرأيه في أي لحظة.
ومن شأن هذا التراجع أن يُحدث عواقب وخيمة محتملة على أفقر البلدان (حيث تحذر الأمم المتحدة من (تراجع التنمية))، فضلاً عن خطر عدم الاستقرار السياسي في البلدان الأكثر ثراءً. وكان من المفترض أن ترتفع مستويات المعيشة هذا العام في بريطانيا، مما يخفف من معاناة الناس الذين يعانون من ضائقة مالية. لكن مؤسسة (ريزولوشن فاونديشن) البحثية تعتقد الآن أنها ستنخفض على الأرجح بالنسبة للأسر العادية، ولن يكون سوى أفقر الناس بمنأى عن ارتفاع فواتير الغاز هذه المرة.
كما تعاني الشركات الصغيرة بالفعل، حيث حذرت مؤسسة آر إيه سي من أن (سائقي الشاحنات الصغيرة يتكبدون خسائر فادحة) نظراً لأن عديداً من شاحنات التجار الصغار تعمل بالديزل. وإذا لم تستأنف البضائع تدفقها الطبيعي عبر الخليج قريباً، فإن شبح إلغاء رحلات العطلات أو حتى تقنين البنزين يلوح في الأفق، فضلاً عن نقص بعض الأدوية والأسمدة والهيليوم – المستخدم في كل شيء بدءاً من أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات وصولاً إلى إنتاج رقائق أشباه الموصلات. وربما تكون الولايات المتحدة قد جلبت على نفسها هذا المأزق، ولكن للأسف نحن جميعاً نتحمل تبعاته.
وفي غضون ذلك تنذر تهديدات ترامب بمنع وصول ناقلات النفط إلى الموانئ الإيرانية ومصادرة أي سفينة تدفع لإيران رسوماً مقابل المرور الآمن، بتصاعد حدة الحرب. والسؤال ماذا سيحدث إذا ما أدى ذلك إلى دخول الولايات المتحدة في صراع مع دول تمتعت سفنها مؤخراً بحرية المرور عبر المضيق، بما فيها الصين؟ ولذلك من مصلحة الجميع الآن إيجاد مخرج يسمح لترامب بالانسحاب دون أن يفقد ماء وجهه.
لقد اتضح أمران جليان خلال الأسبوع الذي تلا تهديد الرئيس بتدمير الحضارة الإيرانية، ثم تراجعه السريع: أولاً، رغبته في الخروج من هذه الحرب، وثانياً، عجزه عن إيجاد سبيل لتحقيق ذلك. فمن كان ليتوقع استحالة إبرام اتفاق نووي معقد مع أحد أكثر الأنظمة تعنتاً في العالم في أقل من 24 ساعة؟ ليس هذا المكتب البيضاوي، الذي استغنى بشكل مفاجئ عن معظم الخبرات الدبلوماسية والعسكرية التي كانت متاحة له سابقاً. والآن يفعل ترامب ما يفعله دائماً عندما يُستفز، وهو تصعيد العدوان. لكنه يفعل ذلك من موقع ضعف سياسي.
لقد تعرض الرئيس في نهاية الأسبوع للاستهجان أثناء حضوره مباراة فنون قتالية مختلطة في ميامي مع عائلته. ولم يصوت الأمريكيون الغاضبون من ارتفاع أسعار البيض في عهد جو بايدن لصالح الحزب الجمهوري في ظل ارتفاع أسعار البنزين إلى أكثر من 4 دولارات للغالون أو عودة النعوش من الحروب الخارجية.
ويبدو أن العالم منقسم بشكل واضح، حيث تشير التقارير إلى أن نائب الرئيس جيه دي فانس قد ألمح إلى أن كل هذا لم يكن من بنات أفكاره. وفي غضون ذلك ترسل هزيمة فيكتور أوربان في المجر رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن الشعبويين لا يحصلون على أي حصانة أكثر من القادة التقليديين إذا لم يتمكنوا من تحسين أوضاع الناس. وترامب لا ينتصر في هذه الحرب لا في الداخل ولا في الخارج، ولهذا السبب أعتقد أن بوريس جونسون قد يكون محقاً في شيء ما.
لقد صرّح رئيس الوزراء البريطاني السابق، العائد لتوه من الولايات المتحدة، لصحيفة (لا ريبوبليكا) الإيطالية في نهاية الأسبوع، بأن ترامب ارتكب (خطأً فادحاً)، وأن بريطانيا كانت مُحقة في عدم المشاركة في قصف إيران، لكن من مصلحة أوربا الآن أن تُحاول (مساعدة أمريكا على الخروج من المأزق) الذي وضعت نفسها فيه.
وأضاف جونسون أن حلفاء الولايات المتحدة السابقين يمكنهم استخدام استعدادهم للمساهمة في إعادة فتح المضيق كورقة ضغط لضمان المزيد من الدعم الأمريكي لأوكرانيا. وإذا كان من غير العدل أن نتوقع من الدول الصغيرة إنقاذ قوة عظمى من غبائها، فمتى كانت الحياة عادلة؟
بما أن أهداف ترامب الحربية غير قابلة للتنبؤ في البحر كما هي في البر، فأنا لا أتفق مع جونسون في أن بريطانيا يجب أن تخاطر بحياة جنودها في هجوم بحري في الخليج، مع أنه لا ضير في تقديم قدرة مستقلة على كشف الألغام، كما فعل وزير الدفاع جون هيلي منذ البداية.
إن الولايات المتحدة لا تحتاج الآن إلى جنود الناتو بقدر حاجتها إلى دبلوماسييها، وإلى أفكارها لحل الأزمة بأكثر من مجرد القوة الغاشمة. وفي الوقت نفسه تحتاج أوربا إلى إيجاد قنوات اتصال غير رسمية مع تلك الأجزاء من الإدارة الأمريكية التي تشاركها سراً رغبتها في إنهاء هذا الصراع، إضافة إلى مبعوثين يحترمهم ترامب، أي أولئك الذين لم يقضوا الأسابيع القليلة الماضية في التنديد به علناً. وقد تكون زيارة الملك تشارلز الرسمية المرتقبة في وقتها أنسب مما يظن الجميع.
مع ذلك جونسون محق في أمر واحد وهو إذا فقدت الولايات المتحدة القدرة على مساعدة نفسها، فلن يكون من مصلحتنا تركها تتفاقم. وترامب الجريح هو ترامب خطير، يميل إلى الانفعال بعنف. كما أن إغلاق المضيق، وما يتبعه من جمود اقتصادي، يشكل عائقاً أمام كل طموحات حكومة حزب العمال لهذا البلد، وفي نهاية المطاف أمام بقائها في السلطة. وسواء كان ذلك للأفضل أو للأسوأ، فهو الآن يمثل مشكلتنا جميعاً.
المصدر: The Guardian