أوجاع فنجان القهوة ومسرّاته
عبد الرزاق دحنون:
في بحثي عن عنوان لهذه الدراسة القصيرة تذكّرتُ رواية الأديب العراقي الراحل فؤاد التكرلي (المسرّات والأوجاع)، التي تعدّ من بين الروايات العربية القليلة التي يستطيع الناقد وصفها بأنها من كبرى الروايات الإنسانية. والرواية، كما أزعم، مثل فنجان قهوة ساخنة، لها القدرة على منحنا المتعة الحسّيّة الكاملة. ويمكن لعبير رائحة القهوة، التي أُعدّت من حبٍّ حديث التحميص، أن ينتزع النائمين من أسرّتهم، وأن يدفع المارّة إلى دخول المقاهي لاحتسائها. وحول هذا الفنجان البسيط المصنوع من الخزف الصيني الرخيص يجتمع ملايين البشر في سائر أنحاء العالم. ويجد البشر في العموم صعوبةً في بدء يومهم دون متعة الصفاء الذهني، التي يمنحهم إيّاها فنجان القهوة الساخنة. وزيادة في الإمتاع والمؤانسة أثناء تناول القهوة استحضروا قارئة الفنجان، التي كتب فيها نزار قباني قصيدته المشهورة التي صدح بها صوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ.
حبوب البُنّ بذور نبات دائم الخضرة موطنه الأصلي المرتفعات الأثيوبية يشتمل على أكثر من ستّين نوعاً. أما الصنفان اللذان يستثمران تجارياً فهما: البُن العربي، الذي يشكّل ثلثي إنتاج العالم، ويزرع في أمريكا الجنوبية وشرق إفريقيا والجزيرة العربية وآسيا. والبُنّ الخشن، الذي يشكل الثلث الآخر، ويزرع في غرب إفريقيا ووسطها وجنوب شرق آسيا وبعض مناطق البرازيل. ويأتي البُنّ في المرتبة الثانية بعد النفط من حيث قيمة تداولهما في الأسواق العالمية، ويمتلك نبات البُنّ الخشن وجميع أصناف نبات البُنّ البري 22صبغياً حاملاً للصفات الوراثية، في حين يمتلك البُنّ العربي 44 صبغياً، لذا لا يمكن تهجينه مع أنواع البُنّ الأخرى لإنتاج نبات هجين.
حتى أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر بقيت حبوب البنّ احتكاراً عربياً، وقد جُلبت إلى تركيا ومصر وسورية بوساطة الحجاج المسلمين العائدين من مكة. وقد فُتحت المقاهي العربية في استنبول ودمشق وبيروت وبغداد وغيرها من مدن الشرق الأدنى، حيث تعرّف إليها التجار الأوربيون. والقهوة المصنوعة من البن العربي ذات رائحة نفّاذة تذكّرنا بالزهور والفاكهة والعسل والشوكولا والسكر المحروق.
تعتمد الجودة النهائية لحبوب البن الناتجة على الصفات الوراثية للنبات وعلى التربة التي ينمو فيها، والارتفاع عن سطح البحر وكمية الهطل المطري وضوء الشمس وتغيّر درجات الحرارة. لابد من معالجة ثمار البن، بعد جمعها مباشرةً، لمنع تلفها. ويستخدم المنتجون طريقتين لمعالجة ثمار البُنّ، الأولى: التجفيف الشمسي، وذلك بنشر الثمار في فناء مكشوف وتقليب المجفّفة منها بشكل متكرر بقصد تسخينها وتهويتها بصورة متجانسة، ويجري بعد ذلك إدخال الثمار الجافة في آلة تقوم بتكسير القشور، ثم إزالتها مع الطبقة الغشائية الرقيقة التي تحيط بالحبوب من أجل فرزها وتعبئتها. أما الطريقة الأخرى البديلة، فإنها تتمثل في نزع لبّ الثمرة آلياً، وغسل الحبوب الناتجة، ثم تجفيفها وتخليصها من أغلفتها الرقيقة. يتمثل أكبر التحديات في إنتاج بنّ عالي الجودة في التأكّد من أن المرء يبدأ من حبوب متميزة، ويستخدم المنتجون تقنية متقدمة لمراقبة عمليات المعالجة بهدف تقليص نسبة حبوب البن المعيبة إلى أقلّ حدٍّ ممكن.
تحميص البن يزيد التعقيد الكيميائي للبن زيادةً كبيرة، ويحتوي شذا البن على نحو 250 نوعاً من الجزيئات الطيارة، في حين يعطي البن المحمّص ما يزيد على 800 نوع من هذه الجزيئات. وعند تعريض البنّ للتسخين المتدرج في آلة التحميص، وهي أسطوانة كبيرة دوارة، يتحول الماء المتبقّي في كلّ خلية إلى بخار يستحثّ قيام تفاعلات كيميائية معقدة ومتنوعة بين السكريات والبروتينات والمعادن الموجودة داخل الخلايا. وعند درجة الحرارة العالية، التي تتراوح بين 185 و240 درجة مئوية، تتّحد السكريات مع الحموض الأمينية والببتيدات والبروتينات في سيرورة كاملة معروفة. وتكون النواتج النهائية بنّية اللون ذات طعم يتصف بالحلو المرّ. وفي الوقت نفسه تتولد تشكيلة واسعة من جزيئات عطرية أقلّ كتلةً، وتمنح هذه المركّبات المتطايرة ذلك الشذا المألوف للقهوة. ويرتفع الضغط داخل كلّ خلية إلى حدّ يتراوح بين 20 و25 ضغطاً جوياً، فيما يحاول البخار وثاني أكسيد الكربون الانطلاق من الخلايا، دون أن يتمكّنا من ذلك، بسبب انحباسهما داخل الجدر الخلوية السميكة القليلة الثقوب. وتنفجر في نهاية الأمر بعض الخلايا، مُحْدِثةً صوت الفرقعة المميّز، الذي نسمعه أثناء تحميص البنّ.
تدوم عملية التحميص فترة تتراوح بين دقيقة ونصف وأربعين دقيقة، بحسب درجات الحرارة والطرق المستخدمة. وعلى العموم، فإن 12 دقيقة فترة تقليدية لعملية التحميص التجارية. أما فترة التحميص الطويلة، المستخدمة في الدول الفقيرة، التي لا يملك الكثير من المستهلكين فيها سوى ثمن حبوب البن الرخيصة والمعيبة، فإنها ترغم جميع النكهات والأريج الفوّاح على الخروج من حبوب البن. ومن المؤسف أن المذاق والروائح المرغوب فيها تتلاشى كذلك، مما يخلّف فنجان قهوة يميل طعمه إلى المرارة، كي يواكب مرارة عيش فقراء العالم.
فائدة أخيرة أقدّمها من أجل صنع فنجان قهوة ساخنة جيد الرائحة والمذاق من البُنّ المتوفر في الأسواق، فثمّة ملاحظة يُستحسن عمل القهوة من خلالها: خلط كمية مناسبة من البُنّ المطحون في الماء البارد، والسكر حسب الرغبة، ثم توضع الركوة على نار هادئة. لا يحرّك الخليط، وحينما يبدأ بالغليان، وترتفع رغوته نوعاً ما، تزاح الركوة عن مصدر الحرارة. تُكرّر هذه العملية مرّتين إضافيّتين على الأقل. لا تُترك القهوة وحدها على النار لأنها تغلي وتفور من وحدتها، فهي كالمرأة تُحب الحديث والصحبة الطيبة.. وصحّتين وعافية للجميع!