ظواهر صوتية
محمد أنجيلة:
يبدو أن البعض يتقن فن النقد الدائم والشكوى والتذمر.. وأحياناً الصراخ، ولا يقدم لنا مبادرة إيجابية واحدة أو فكرة.. فهو يعلّق على كل ما يُكتب بسلبية دائمة.
يبدو أنه من جماعة الجدليين إلى ما لا نهاية.. أو النقد للنقد!
ماذا يفيد الصراخ والشتائم؟ أنا لا أؤمن بالمطلق، ولا أحد في هذا الكون يملك الحقيقة وحده ولا حتى أصغرها. كل الحقائق نسبية وتتفاعل وتتطور. فأنا مقتنع بتطور الافكار مع الزمن، لكن أؤمن بالمنهجية العلمية والواقعية عند تناول الأشياء أيّاً كان نوعها. ولا أتمسك بالفكرة. لأن الفكرة نفسها تولد ميتة. وأي طرح يستمد مشروعيته بمقدار واقعيته ودرجة تطبيقه. والأفكار والرؤى والثقافة لم تكن يوماً نخبوية. ومن رأى نفسه كاملاً مكتملاً فقد خنق نفسه وعاش نرجيسته وحيداً في فضاء ملوّث.
هذا واقع نعيشه يومياً وفي كل المجالات، فالحياة تطرح مشكلاتها وعلينا إيجاد الحلول المنطقية، ومن استبدّ برأيه هلك!
لكننا نرى بالمقابل ظواهر صوتية لا فعل لها سوى النفاق والكذب (الاجتماعي) بالعرف الديني: آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
فهُم يكذبون..
وهم يعلمون أنهم يكذبون
يصعدون إلى المنابر
يرسمون على وجوههم ابتسامة صفراء مصطنعة مقرفة جوفاء. نعم
يكذبون، ويتفوهون بما يدّعون أنها الحقائق الكاملة، وهم يدركون أنها ليست حقائق وليست كاملة.
وهم يعلمون أن الحاضرين من قطيع أذيالهم وأذنابهم يعلمون بأنهم يكذبون وينتظرون منهم التصفيق وابتسامات النفاق والشقاق، وعندما تنتهي الحفلة..
وتنتهي محاضرة الرياء والنفاق، يسأل المحاضر المبجّل:
– هل من أسئلة؟
لا أسئلة
ولمَ الأسئلة؟
ولكل سؤال جواب.. وتبرير. أتقنوا اللعبة. تدوير الزوايا اختصاصهم.
يتصدى أحد الحاضرين غير المحسوب على قطيعهم بسؤال يربك المحاضر
يتجاهل المحاضر المنافق السؤال
ولكن أطلق من عينيه نظرة حاقدة لئيمة على صاحب السؤال، وكأنه يقول له
أعرفك رجلاً وأفهم مقصدك، ولكن هيهات إنه زماننا يا هذا! وصوتك صدئ في هذا الواقع الذي نُسيرّه كيفما نشاء.
ينسحب الجميع من القاعة بإشارة من المحاضر المبجل، وصاحب السؤال يرمق المحاضر بنظرة وابتسامة سخرية ويمشي وحيداً ووحيداً ووحيداً! فالفرق كبير بين الهجين والأصيل. إنها المعادلة الحياتية المؤلمة الماثلة أمامنا. كيف وصلنا إلى هذا الدرك المخيف؟ كيف؟ لا أحد يجيب ولن يجيب أحد.
تبّاً لحياة تمجّد الفهلوة.. الشطارة.. وفلان مدبّر حاله!
نعم، هي ثقافة نبتت لها أسنان لقضم المبادئ والأخلاق وتجاوز القانون، بدلاً من ثقافة العمل المنتج والإتقان والإخلاص.