العلاج بالمصطلحات

مالك عجيب:

هو شكلٌ مختلف عن أشكال العلاج الأخرى التي قد يستحضرها العنوان إلى ذهن القارئ، كالعلاج بالأعشاب أو العلاج بالإبر الصينية أو حتى العلاج بالرقى، وإن كان يمتّ إلى بعضها بالصلة من حيث اعتماده على العامل النفسي للوصول إلى النتيجة المرجوة، إنه أسلوب قديم جديد يبدو أن بعض جهابذة مؤسساتنا الرسمية، والخدمية منها على وجه الخصوص، قد وجدوا فيه الحل الأنسب والأسهل للتعامل مع المشاكل المستعصية التي تعترض عمل هذه المؤسسات، فبدلاً من عناء تشخيص المشكلة ووضع الحلول العملية المناسبة لها، يكفي أن يقوم جهابذة هذه المؤسسات بعملية تلاعب بالألفاظ ستنطلي بسهولة بحسب اعتقادهم على عقل المواطن الساذج. الأمثلة كثيرة على حالات استخدام هذا النوع من العلاج مؤخراً، ولكن الغريب أن المؤسسة السباقة إلى هذا الابتكار الثوري العظيم وفق متابعتي اليومية لعمل مؤسساتنا الخدمية، بحكم صفتي كمواطنٍ ساذج، لم تكن إحدى تلك المؤسسات المعنية بالتخطيط والتطوير، بل كان- ويا للغرابة- اتحاد كرة القدم، صاحب السجل الحافل بالإنجازات والبطولات، فبعد دراساتٍ وأبحاث مستفيضةٍ هادفة للنهوض بواقع كرة القدم، توصّل اتحاد كرتنا منذ سنوات عدة إلى هذا الحل السحري ووجد فيه غايته المنشودة، فوضعه موضع التطبيق من خلال إصدار قرار تاريخي نصّ على (ترقية) درجات دوري كرة القدم في بلدنا ليغدو الاسم الجديد لبطولة الدوري الكروي هو (الدوري الممتاز) بدلاً من دوري الدرجة الأولى الذي صار الاسم الجديد لدوري الدرجة الثانية، وهلمّ جراً، وهكذا .. وبجرّة قلم بات دوريّنا المغمور نداً لتلك الدوريات الكروية الكبرى التي تحمل الصفة المميزة ذاتها، ويبدو أن هذا القرار الحكيم قد أثار غيرة وحسد العديد من مؤسساتنا التي سرعان ما اتخذته مثلاً يُحتذى بل وطورته بما يتناسب وخصوصية عملها ومقتضيات المصلحة العامة، فإذا به يصبح أشبه بمنهج عمل تطالعنا تجلياته كل يوم في شتى مناحي حياتنا، وإذا بنا نرى إحدى الوزارات المهمة المعنية بحماية المستهلك تتبنى هذا الاكتشاف الفريد بحرارةٍ إلى حد قيامها بتطبيقه على اسمها من خلال إضافة عبارة (حماية المستهلك) إلى اسمها، وسواء لجأت هذه الوزارة إلى هذا التدبير تقليداً لجماعة كرة القدم أو تجريباً لنوع آخر من العلاج الهادف إلى جلب الحبيب الذي هو المستهلك طبعاً، فإنها قد أثبتت بكل الأحوال جدارتها في هذا المجال من خلال ابتكارها لسلسلةٍ من المصطلحات التي راحت تستخدمها كناية عن ذاك المصطلح القبيح الشديد الوطأة على مسمع حبيبها المستهلك الموكلة بحمايته، فبين كل حين وآخر تطالعنا تلك الوزارة بمصطلحٍ جديد عند إصدارها واحداً من تلك القرارات الخاصة برفع الأسعار، فتارةً تقول: تعديل سعر، وتارةً تحريك سعر وأخرى تصحيح سعر، كل ذلك رأفةً  بالحبيب الناكر للجميل وحرصاً من الوزارة على مشاعره.

ويبدو أن نجابة جهابذة هذه الوزارة قد أوقعت بعض الوزارات الأخرى في الحرج، فنجد جهابذة وزارة الكهرباء مثلاً قد أعياهم البحث عن مصطلحاتٍ جديدةٍ غير مستعملة عند عزمهم رفع أسعار تعرفة الكهرباء ما اضطرهم للجوء إلى قواميسهم المهنية بحثاً عن المصطلح المناسب، ليخرج علينا أخيراً أحد هؤلاء الجهابذة بقوله إن وزارة الكهرباء تعمل على (إصلاح) تعرفة الكهرباء وليس رفعها!

آخر فصول هذه المسرحية وقع بالأمس القريب وكانت بطلته محافظة ريف دمشق التي بدأت بمعالجة قضية الأكشاك من خلال إعلانها عن تغيير اسم هذه الفعاليات لتصبح (منافذ بيع)، ربما حرصاً منها على ألا يلتبس الأمر على المواطن الساذج الذي قد يخلط بينها وبين تلك الأكلة الشعبية الشهيرة، ولعلها بذلك أرادت أن تحذو حذو شقيقتها محافظة مدينة دمشق التي كانت قد وضعت خطة لحلّ مشكلة البسطات من خلال تجميعها في ساحات (تفاعلية)، دون أن توضح للمواطن الساذج ما هو المقصود بهذه الكلمة على وجه التحديد، هل هو مد جسور التواصل والتفاعل ما بين البائع والشاري مثلا؟ ربما!

أخيراً.. أود أن أنصح السادة الأفاضل الساعين إلى التعويض عن الأفعال بالأقوال بالعودة إلى ما قالته جولييت بطلة مسرحية وليم شكسبير الخالدة:

) وما أهمية الاسم؟ مهما سُميت الوردة فسيظل شذاها فواحاً!).

وأن ألفت انتباههم إلى أن المواطن على سذاجته ما زال قادراً على التمييز ما بين رائحة الوردة ورائحة.. الشوكة!

 

العدد 1194 - 15/04/2026