خدعة استراتيجية؟
د. نهلة الخطيب:
أين تتجه الولايات المتحدة الأمريكية؟ وكيف تبقى قائدة للنظام الدولي ومنع صعود أي دولة أو مجموعة دول تنافسها على القيادة؟ سياسة جاءت حسب وثيقة الأمن القومي رقمها 68 وهي المرسوم التشريعي الذي تمشي عليه أمريكا لحد الأن وقد وقّعت بعهد ترومان عام 1950. وبعد تفكّك الاتحاد السوفييتي أضحت أمريكا هي القوة العظمى الوحيدة في العالم، مع تنامي التداخل ووسائل الاتصال والعولمة في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والثقافة وتبادل المعلومات، اختارت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية الهيمنة الليبرالية لسياستها، وكل إدارة رأت طريقة لتطبيق الهيمنة، وحتى تكون قائداً يجب أن تكون قوتك عسكرية واقتصادية وثقافية فاستخدمت Soft power القوة الناعمة بنشر العولمة وتطوير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، وهكذا غزت الشعوب وحولت العالم إلى قرية صغيرة.
وينظر الى وسائل التواصل الاجتماعي بأنها ساحة مجانية تتسم بالبساطة وسرعة الانتشار، تستغل للإفشاء والتسريب والإفصاح عن وثائق ومعلومات قد تبدو ذات قيمة عالية، وأحياناً يرغب واضعو السياسات بنشر تجريبي للمعلومات لاستكشاف رد فعل الجمهور على خططهم، كما كانت تغريدات دونالد ترامب على تويتر، ولم تكن واقعة تسرّب وثائق سرية أمريكية مؤخراً أمراً جديداً، فقبل 13عاماً أظهر موقع (ويكيليكس)، الذي أنشأه جوليان أسانج، والذي يقال أنه يمثل وجهة النظر أو التحليلات أو القراءة الأمريكية للمحتوى، مجموعة كبيرة من الوثائق تقارب 700 وثيقة تحمل معلومات حساسة عن الدبلوماسية الأمريكية وانتظار واشنطن انهيار كوريا الشمالية، وكيفية تعاملها مع ملف إيران النووي، بعدها تم تسريب أسرار تخص وكالة الأمن القومي الأمريكي من قبل إدوارد سنودن، الذي اتهمته واشنطن بالتجسس لصالح روسيا التي منحته حق الإقامة لديها.
ولكن الوثائق المسربة مؤخراً قد تكون هي الأخطر، وظهرت في وقت شديد الحساسية والتوتر، وهي وثائق من ملفات البنتاغون السرية يبلغ عددها نحو مئة وثيقة تعطي تفاصيل دقيقة وحساسة عن أسرار الأمن القومي الأمريكي في الشرق الأوسط والصين وإفريقيا، ومعلومات بالمئات عن خطط الحرب في أوكرانيا سربت تدريجياً منذ 23 شباط من قبل أحد عناصر قوات الحرس الوطني الأمريكي على منصات التواصل الاجتماعي. وتكشف هذه الوثائق عن الخسائر التي تكبدها الروس والأوكرانيون، وعن نقاط الضعف والقوة العسكرية لكلا طرفي الصراع في الحرب الروسية الأوكرانية، كقرب نفاد ذخيرة الدفاع الجوي أس300 بحلول أيار القادم عند الأوكرانيين وفقاً لمعدل استخدامها، وجداول زمنية لمواعيد تسليم الأسلحة لأوكرانيا من قبل الحلفاء الغربيين، ومعلومات عن نفقات الذخيرة وتكلفة الحرب الباهظة بالنسبة للقوات الغربية وتحديداً للولايات المتحدة الأمريكية، والبعض يظهر خرائط زمنية للدفاعات الجوية الأوكرانية في هجوم الربيع المحتمل، وبيانات عن عدد التدريبات العسكرية وعدد الجنود وأعداد الدبابات والعربات المدرعة، إضافة إلى خطط كوريا الجنوبية السرية لتقديم 330 ألف قذيفة ستستخدم في هذه الحرب، وتتضمن الوثائق أيضاً تحليلاً مفصلاً لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية في شأن الصين، ومعلومات عن الهجوم الصيني العسكري في المحيطين الهندي والهادي، ووثائق عن الشرق الأوسط منها معلومات عن أنشطة شخصية لجماعة الحوثيين في اليمن، وتعاون محتمل بين مصر والإمارات وروسيا ضد مصالح أمريكية بالمنطقة، وفي وثيقة تحمل ختم (سري للغاية) تشير أن واشنطن كانت تتجسس على أحد أهم حلفائها في الشرق الأوسط، وتقول إن جهاز المخابرات الاسرائيلي دعم الاحتجاجات المناهضة لخطط رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لإحكام السيطرة على المحكمة العليا.
هي وثائق حقيقية حسب مسؤولين في البنتاغون كتب عليها (سري للغاية) و (لا يمكن نشرها للأجانب) وهي تمثل غنيمة تستخدمها استخبارات بلد ما للانتفاع بها وتوظيفها، ولكنها سربت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فمَن له مصلحة في تسريب هذه الوثائق أو نشرها؟
ربما تكون هذه المعلومات ذات فائدة كبيرة للقوات الروسية وللتصدير إلى الداخل الروسي، بأن الاستخبارات الروسية عظيمة وقادرة على الاختراق، وأن الجيش الروسي قادر على الإمساك بزمام الأمور، إضافة إلى محاولة الضرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ولا يستبعد مسؤولون أمريكيون احتمال أن تكون عناصر مؤيدة لروسيا وراء هذا التسريب الذي ينظر إليه على أنه أخطر الخروقات الأمنية، والإدارة الأمريكية تعترف بفشلها في الحفاظ على معلوماتها وسريتها، والتوضيحات التي وردت هي أن بعض هذه الوثائق قد تلاعب فيها الروس ووضعوا معلومات مزيفة وخاصة بالحديث عن عدد القتلى (15 ألف قتيل روسي، بينما الرواية الأمريكية تتحدث عن 200 ألف قتيل روسي في هذه الحرب).
وبمتابعة ردود الأفعال الروسية نجد أن الكرملين استثمر هذا التسريب للتأكيد مرة أخرى بلسان الناطق الرسمي باسم الرئاسة ديمتري بيسكوف أن هذا التسريب يؤكد الضلوع الأمريكي في الحرب في أوكرانيا، وهذا ما تسعى روسيا لتسويقه للرأي العام مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر إجراؤها العام القادم، وصدرت تصريحات لاحد الخبراء العسكريين الروس يشكّك في أن يكون ذلك (تسريب)، وربما نُشرت هذه الوثائق عن سابق إصرار وترصّد، فهو خداع استراتيجي وعملية حرب نفسية ضد روسيا وتحديداً ضد سكان القرم، لزرع حالة من الذعر والخوف وأن الهجوم المضاد قد يحدث قريباً، وهو فعلياً موقف قريب من دراسة نُشرت قبل تسريب الوثائق في مجلة روسيا المتخصصة في السياسة العالمية، ذكرت فيها أن روسيا تتأنى في بدء التقدم الربيعي الذي كان متوقعاً منذ بداية العام تحسباً من أي هجوم أوكراني مضاد على منطقة زاباروجيا، لإحداث فاصل بين القوات الروسية الموجودة في القرم ودونباس وإحداث صعوبات لوجستية للقوات الروسية، ورغم أن الوثائق أظهرت نقاط ضعف الجيش الروسي، ولكن حجم التخوف من هجوم الربيع الأوكراني لا يعني للروس شيئاً، لأن روسيا تتعامل مع الحرب بأنها حرب وجودية وإيديولوجية.
الوثائق المسربة لا تتحدث عن معلومات استراتيجية تخص خطط هجوم الربيع الأوكراني المحتمل، ومع ذلك عدلت أوكرانيا من بعض خططها حوله، وقال رئيس مجلس أمن الدفاع الأوكراني معلومات حول الهجوم المضاد لا يعلمها على هذا الكوكب أكثر من ثلاثة اشخاص في إشارة إلى السرية التامة، وهناك معلومات في غاية الحساسية تفضح توجهات دول مثل إسرائيل لمنح أوكرانيا لأول مرة أسلحة فتاكة لتوظيفها في الحرب، وهذا سيؤدي الى عزوف هذه الدول عن تسليم أوكرانيا أسلحة، وهذا فيه ضرر لأوكرانيا، وعن نقاط الضعف في الجيش الأوكراني وإخفاء القوات الأوكرانية الحجم الحقيقي لخسائرها يشير إلى عدم الثقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوكرانيا في مجال المعلومات، وإن كان هناك ظاهرياً مستوى عالٍ من الثقة والتناغم القوي الذي كان واضحاً عند استقبال زيلنسكي والتصفيق الحار الذي تلقاه عند إلقاء خطابه في الكونغرس.
بعض المسؤولين في المخابرات الأمريكية صرح لنيويورك تايمز بأن هذا التسريب كارثة للخمسة، ويقصد بريطانيا وكندا ونيوزيلاندا وأستراليا والولايات المتحدة الامريكية التي تتشارك مع بعضها أية معلومات خارجية أو دولية، وهذه مصيبة بالنسبة لأمريكا وأكبر ضرر يشعر به الأمريكيون الذين يدركون أن جزءاً من هذه الوثائق حقيقي وسوف يحاسب مسربها هو خوف الحلفاء الذين كانوا يشاركونهم في هذه المعلومات في مشاركتهم مرة أخرى كبريطانيا وكوريا الجنوبية وحتى الأوكرانيون أنفسهم، إضافة إلى معرفة الروس بالمؤسسات التي اخترقتها أمريكا بموسكو وبالتالي معالجة هذا الاختراق.
غالبية المعلومات التي تضمنتها الوثائق صحيحة ومعروفة لدى الصحفيين، ولكن الإدارة الأمريكية تريد التضخيم مما يعزز فرضية أنه ربما هناك نشر لا تسريب، وهناك أمور غريبة في هذه الوثائق لا تأتي بالفائدة على الطرف الذي يسرب إلا إضافة الحيرة والتضليل المعلوماتي. وفي تساؤل عمّا إذا كان الروس يدركون أن هذه معلومات حقيقية فلماذا يعلنونها ويتركون الأوكرانيين يتورطون وهم مكشوفون، فهذه تساؤلات منطقية وغير معروفة؟؟
++++++++++++++++++
- الوثائق المسرّبة مؤخراً قد تكون هي الأخطر، وظهرت في وقت شديد الحساسية والتوتر، وهي وثائق من ملفات البنتاغون السرية يبلغ عددها نحو مئة وثيقة تعطي تفاصيل دقيقة وحساسة عن أسرار الأمن القومي الأمريكي
- غالبية المعلومات التي تضمنتها الوثائق صحيحة ومعروفة لدى الصحفيين، ولكن الإدارة الأمريكية تريد التضخيم مما يعزز فرضية أنه ربما هناك نشر لا تسريب