الفساد… ذلك المارد المدلل
حسين خليفة:
الفساد، ظاهرة عالمية بامتياز، إذ لا يخلو منها بلد، وتعاني الجهات العامة والخاصة من هذا الأخطبوط الخطير، لكن تفشي الفساد وتحوله إلى ثقافة مجتمعية، هو ما يميّز الحالة السورية والعربية إلى حدٍّ ما، حتى أن سورية احتلت المرتبة ال 14 من بين الدول الأكثر فساداً في العالم، حسب مؤشّرات منظمة الشفافية العالمية (مقرها مدريد)، في آخر تقرير لها، ولم تتفوق علينا من الدول العربية في حقل الفساد سوى الصومال وجنوب السودان!!
كيف حصل ذلك؟
باختصار شديد، وباستعادة ما طرحه مفكرون وسياسيون سوريون، درسوا ظاهرة الفساد بعدما فتح ملف الإصلاح في سورية بعد عام ،2000 نستطيع القول أن موّلدات الفساد تنحصر بشكل أساسي في غياب الحريات السياسية والإعلامية، وطغيان النظام الأمني، منذ استطاع نظام الوحدة وأد التجربة الديمقراطية الرائدة في سورية، عام ،1958 ثم تابعت الانقلابات العسكرية تكريس غياب الدستور، أو تعليقه، وتطبيق قوانين الطوارئ تحت حجج ومسميات شتى.
أي أن غياب الديمقراطية هو البيئة الأنسب لنمو الفساد وتجذّره في المجتمع.
لكن لا بدّ من الإشارة إلى ما ترتكبه الحكومات المتتالية في سورية، بحق المجتمع السوري، في تحويل فئات متزايدة يوماً بعد يوم إلى فاسدين ومفسدين، إذ إن ظاهرتي الفساد والإفساد متلازمتان طبعاً.
إن تدمير القوة الشرائية للعملة، وتجميد دخول العاملين عند حدود، لا تكفي للعيش لأيام، جعلت همَّ كل مواطن سوري هو البحث عن إيرادات إضافية، تُعينه وعائلته على تأمين أدنى متطلبات العيش -غير الكريم- طبعاً، وهذه الإيرادات إما أن تكون من عمل إضافي (أو عملين أحياناً)، وهو ما كان ممكناً إلى حدٍّ ما قبل الحرب، لكنه أصبح أقرب إلى الاستحالة بعدها، أو أن تكون عبر مساعدة واحد أو أكثر من أفراد العائلة ممّن هاجروا خارج البلاد، ويكفي أن نراقب الازدحام على أبواب مكاتب تحويل العملة في المدن السورية، وتكاثر الشركات المتخصصة في ذلك، لنعرف مدى اعتماد السوريين على الأموال المحوّلة من الخارج، ثم يأتي السبيل الثالث، والأكثر شيوعاً للتأقلم مع هذا الوضع الشّاذ، وتأمين احتياجات الحياة للمواطن المنتوف، وهو الفساد والرشوة.
وأصبح طبيعياً السؤال عند تأمين فرصة عمل لأحدهم عن (البراني) كرديف للراتب، وهو ما يُشار به إلى موارد الفساد والرشوة طبعاً، وهو ما يحصل بشكل شبه علني ومفضوح في معظم – إن لم نقل كلّ- مفاصل العمل الحكومي والخاص أيضاً بدرجة أقل.
وقد قيل الكثير منذ إثارة قضية الإصلاح في سورية مطلع الألفية الثالثة، عن المدخل الأول للإصلاح الاقتصادي، الذي يتمثل في الإصلاح السياسي (الديمقراطية السياسية) أولاً، ثم وضع سلّم متحرك يربط الأجور بتكاليف المعيشة، وهو ما صمّت الحكومات المتوالية آذانها عنه، بل اعتبرت قائليه متآمرين أو مزاودين في أحسن الحالات.
والنتيجة كانت انفجار الوضع بذلك الشكل الكارثي، عام ،2011 ثم تطورت الأمور الى حرب عمياء لا تُبقي ولا تذر، نتيجة تدخلات خارجية شتى.
إن ضعف الرواتب والأجور في سورية هو مولّد أساسي لظاهرة الفساد والإفساد، فكيف يستطيع مواطن مع عائلته العيش ب60 دولاراً في الشهر؟
إن الصمت عن جريمة الفساد والإفساد، وترك دخول العاملين على هذه الحال المزرية، يعني أحد أمرين:
إما أن أصحاب القرار منفصلون عن الواقع وخارج التاريخ، وهذه مصيبة، أو أنهم شركاء في عملية الفساد والإفساد وهي مصيبة أعظم.
husenkhalife@hotmail.com