تبريرات غير أخلاقية

إيناس ونوس:

تتكون المنظومة الأخلاقية عند الإنسان من مجموعة قيم لا يمكن فصل الواحدة منها عن الأخرى، وإلاّ تزعزعت تلك المنظومة، وتعرضت للخلل، وهذا ما يحدث عندما يتمّ التّخلي عن أحد تلك المكونات واختلاق المبررات الخاصة لذاك التخلي.

وأحد جوانب هذا الخلل ما نعيشه ونُعايشه اليوم، فيما يتعلق بموضوع الفساد الأخلاقي، سواء من النواحي المادية أو الفكرية أو غيرها، إلاّ أن للفساد المادي خطراً جوهرياً، لأنه ينعكس على باقي الجوانب، وعلى الحالة الجمعية العامة، ولا يقتصر على الفرد بذاته، وهذا هو حال مجتمعنا الذي اعتاد الفساد المادي، واعتاد تبريره بشتى الصفات، ما أفسح المجال رحباً واسعاً لانتشار الرشوة بأشكال مختلفة، بدءاً من الهدية، وليس انتهاءً بدفع الأموال أو تقاضيها.

يبرر العديد سلوكهم هذا بحكم تدني الأجور وصعوبة تأمين مستلزمات الحياة المعاشية، وما هذا إلاّ مبرر فرضته ثقافة مجتمعية سلبية سائدة، فمهما كان الوضع الاقتصادي أو المادي ضعيفاً، لكنه ليس دافعاً لتعاطي الرشوة، ونشر ثقافة الفساد، إن لم يمتلك الإنسان الاستعداد الداخلي والفكري لهذا الأمر، والأمثلة عديدة على كلتا الصورتين.

إلاّ أن النماذج التي اعتمدت الرشوة كمبدأ في الحياة، باتت كبيرة وكثيرة، إذ تحوّل نقيضها، الذي هو الأصح أخلاقياً، إلى حالة شاذة ومستهجنة، بل وتُكال له شتى الصفات والتهكمات، ويتعرض للمضايقات المتعددة، التي تبدأ بالسخرية ولا تنتهي بالتضييق عليه في العمل، كثمنٍ لاعتناقه مبادئ باتت غريبةً عن المجتمع.

إذاً فالحالة المادية التي يعيشها الشخص ليست مبرراً كافياً لأي سلوك غير أخلاقي، إن لم يمتلك بداخله الاستعداد له، وهذا الاستعداد يتكون من خلال التربية المنزلية أولاً، فحين ينمو الإنسان في بيت يبرر هذا السلوك، سيكبر وكأن هذا الأمر هو الصحيح، وما عداه هو الخطأ، والعكس بالعكس.

مهما انتشرت هذه الثقافة وتعددت مبرراتها، واتسعت الشريحة التي تتبناها، فإن المنظومة القيمية الأخلاقية لا تزال واضحةً ومحددة الأركان، ولا يمكن فصل أي منها عن الباقي، لأنه حين يتمّ التخلي عن جانب، سيتم التخلي عن باقي الجوانب رويداً رويداً… فمن يعتمد الرشوة كمبدأ فإنه حكماً سيعتمد جوانب لا أخلاقية أخرى، كنتيجة حتمية، ما يجعله شيئاً فشيئاً إنساناً بعيداً كل البعد عن تلك المنظومة القيمية.

وللأسف الشديد فإن الثمن الذي يدفعه كل من يتبنى قيماً أخلاقية صحيحة، يزداد يوماً بعد يوم، ويصبح من الصعب في بعض الأحيان تحمّله، إلاّ أن القوة والتماسك الداخلي هما السلاح الوحيد للمجابهة والصمود، فلنعمل على بناء أجيالنا القادمة انطلاقاً من بيوتنا، ومن تشبثنا بمعتقداتنا وأفكارنا، وعدم التزحزح عنها مهما كانت الظروف قاهرة وقاسية..

العدد 1183 - 23/01/2026