كيف تؤول الأمور الصغيرة إلى تحولات هائلة!

سنشرع في تعداد سلسلة كاملة من الأمور التي تبدو مشتركة بين مأساة المرأة السورية ضمن بؤرة الحرب، ومأساة كونها امرأة مكاسبها قليلة، ومطالبها موضوعةً في قيد ساعة زمنية مُقصّرة إلى حدٍّ ما.

وإن صحّ التشبيه نكون في موجز ما لا تعي الغالبية حقيقته، فمنذ اندلاع الحرب والمرأة في الصفوف الأولى للحراك السياسي والمدني، سواء كان الفكر السياسي أو الفكر المستنير بالمساواة هو المقصود بذلك الحراك. فمشاركتها ليست محدودة ضمن كوادر الصحف وتغطية الأحداث وإيجاد صيغ للعمل الجماعي الأنثوي، علماً أن ما وراء ذلك الاندفاع هو المسيرة الفكرية التي قد وجدت لدى المرأة ما قبل الحرب بأعوام، فضلاً عن إثبات جدارتها في أمكنة العمل الخدمي التي نافست الرجل في معدل القبول الوظيفي، أما عن مبادرات تحقيق التنمية البشرية والفكرية، فقد كان للمُحاضِرات من النساء صوت مسموع   توازياً مع الحرب الفكرية التي لاتزال دائرة حتى هذه اللحظة.

نعم، يعتقد الجميع أن الحرب تلفظ أنفسها الأخيرة، وأنا أول المؤمنين بهذا اعتقاد، لكن يا تُرى من تمكّن من رؤية فتيلة الحرب الجائرة!!؟

صحيح أن لكل داءِ دواء يُستطبُّ به، ودواء الحرب هو ما أنجزه الجميع من وعي فكري، وفي مقدمتهم المرأة بفعل ماأقدمت عليه من أعمال قد ذكرناها سابقاً، وبفعل تخطّي الانكفاء عن العالم الخارجي، لكونها المستقل كلياً لا الجزء التابع تحت وطأة القيد الذكوري أو القانون أو العرف، وصولاً إلى تشدد الدين المُفتعل حالياَ بحكم  نظرته إلى المرأة وما يتعلق بها، إذ يمكن الجزم بتفاقم حجم المشكلة التي لا تتفق مع فطرة المرأة ورسالتها الإنسانية سواء في العهد الإسلامي أو الأموي أو العباسي الذي رفع من مكانة المرأة بتحريرها من جميع ما قيّدها في عصور سابقة ومنحها إمكانية في التعلّم.

لكن، في خضمّ هذا الجدل يمكن أن نجد الجمعيات النسوية المتشددة دينياً والتي تفرض على منتسباتها المعرفة الدينية لا غير، وتعاليم دينية صارمة، خاصة أنها تسجل حضوراً واسعاً في الشارع السوري.

وبينما يراقب الجميع انتهاء الحرب المزعومة، فقد غاب عن بالهم إكمال القول السابق: لكل داء دواء يستطبُّ به إلاّ…

من يدرك معنى هذا القول فسيجد تفسيراً للتجمعات النسوية المتشددة دينياً بسريتها التي قد تشوش صورة الحقيقة في كثير من الأحيان، وتغذي مخاوف مواجهة حرب جديدة!!

وقطعاً سيكون ذلك أشبه بالفكر المضاد الناسف لكل ماجرى العمل عليه من قبل المرأة لتعديل القانون! ويناهض جملة الوعود المقطوعة في ثورة المرأة على ذاتها وعلى من يقيدها بشريعة قد تكون صارمة وخطيرة في آن، فهل ذلك صونٌ لجملة حقوق المرأة أم أنّه من قائمة ما يضطهد الوجود الأنثوي!!

وفي ظلّ ما واجهناه خلال حرب عملت على الإنقاص من مكانة المرأة ومحدودية دورها، هل ستفي الجمعيات النسوية (السرية) بمتطلبات المرحلة، أم أنها ستُعيد المرأة إلى حيث نقطة الصفر!!؟

العدد 1182 - 18/01/2026