“المرأة العربية في الدين والمجتمع”

إعداد: إيمان أحمد ونوس:

في كتابه (المرأة العربية في الدين والمجتمع) يستعرض المؤلف حسين العودات واقع المرأة منذ أقدم العصور حتى عصرنا الراهن، موضحاً أن واقع المرأة المسلمة اليوم، هو مُعطى قِيمٍ تراكمت وفرضت نفسها منذ ما قبل الإسلام حتى يومنا هذا، فقد تضافرت مصالح الطبقات الحاكمة ورجالها وفلاسفتها وفقهائها ومثقفيها الذين لم يروا للمرأة إلّا دوراً هامشياً في المجتمع، واعتبروها مناط إشباع رغبات الرجل الجنسية، ونزوعه إلى الهيمنة عليها واستغلالها وقمعها.

وقد استعرض واقع المرأة العربية وموقف الديانات منها على مرّ تاريخ البشرية، لكنني اليوم سألقي الضوء على واقع المرأة قبل وبعد الإسلام لمعرفة أساس النظرة الدونية إلى المرأة حتى يومنا هذا.

 

المرأة قبل الإسلام:

المجتمع العربي ما قبل الإسلام، كان مجتمعاً أبوياً- ذكورياً، الرجل هو السيد المطلق والمرأة تابع له عليها طاعته وخدمته، وتعتبر من ممتلكاته وتركاته، وربما تجلب له العار، ما دفع بالبعض لوأد البنات حين يولدن. ومع كل هذا لم ينظر هذا المجتمع إلى الخطيئة الأولى كما نظرت إليها المجتمعات والديانات الأخرى، وبالتالي لم يُحمّل المرأة تلك التبِعة، ومن هنا فقد احتلت بعض النساء مكانة هامة، فكانت الشاعرة والمثقفة وسيدة المجتمع، لكن رغم ذلك كان المجتمع يستخف بالمرأة ويعتبرها دنسة أحياناً، فلا تدخل الكعبة أو تلمس الأصنام في هذه الأحيان.

المرأة والإسلام:

في الإسلام، تعرّض القرآن للخطيئة الأولى ثلاث مرات من خلال سور (البقرة، الأعراف، طه)، وقد وقعت مسؤولية الخطيئة الأولى على الذكر والأنثى في آيتين، وعلى آدم وحده في الآية الثالثة، وهذا يؤدي لأن يتحمل آدم وزر هذه الخطيئة أكثر من زوجه، ويكون القرآن قد برّأ المرأة من خطيئة الخطايا، وعارض أدياناً ومذاهب كانت سائدة قبل ظهوره.

لقد غيّر القرآن موقف العرب من المرأة تغييراً نوعياً، فاعترف جزئياً بمنزلتها وحقوقها، فهي مساوية للرجل بالخلق، كما اعتبرها حاجة أساسية للرجل مثلما هو حاجة لها.

إلاّ أن هذا الموقف الذي ينحو باتجاه المساواة لم يستمر بالنهج نفسه بعد الاستقرار النسبي للدين الجديد، فنشأ تيار ذكوري أخذ يضغط باتجاه الحدّ من إعطاء حقوق أكثر للنساء، وبدأت التشريعات تتجه إلى تفضيل الرجل والإبقاء على شيء من عدم المساواة الذي كان سائداً قبل الإسلام.

غير أن القرآن ذاته قد اتخذ من المرأة موقفاً غير مساوٍ للرجل في بعض الأمور والقضايا مثل:

– النشوز، فإذا نشزت النساء (فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) أما إذا نشز الرجل (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير).

– الشهادة، وكان هذا مرتبطاً بظروف معينة قائمة (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر أحدهما الأخرى). غير أن شهادة المرأة ليست ناقصة دائماً، ففي حالات كثيرة تعتبر شهادة كاملة، وهذا ما يمكن للفقهاء أن يستنبطوه من أحكام القرآن لو استخدموا المنهج العلمي في التأويل والأدوات المعرفية التي تساعدهم على استيعاب النص مربوطاً بزمانه وأحداثه وظروفه لا بلفظيته المطلقة.

– الميراث، فقد أقرّ لها القرآن بالورث، لكنه ليس ورثاً متساوياً (للذكر مثل حظ الأنثيين).

 

موقف الفقهاء:

يصح القول إن صحة التأويل أمر نسبي، ومع ذلك فقد أخضع المفسرون والمتأولون كثيراً من تعاليم القرآن وأحكامه وتشريعاته لتفسيرات مختلفة ومتناقضة في بعض الأحيان، مما أتاح الذهاب بعيداً عن التعاليم القرآنية، والشطط والتطرف في مواقفهم وإخضاع النص القرآني لآرائهم، وتأويله بما يناسب موقفهم أو حدود معارفهم وثقافتهم.

وتماشياً مع مرحلة التطور، والظروف الاجتماعية والاقتصادية القائمة في عصرهم، ومع منظومة القيم السائدة التي أفرزها النسيج الاجتماعي، واستجابة لسيطرة الرجل المطلقة، غيّر الفقهاء تغييراً نوعياً في موقف الإسلام من المرأة، وتجاهلوا في حالات عديدة نصوصاً قرآنية صريحة، وتبنوا روايات وأحاديث أو سنّة عن الرسول مشكوكاً بصحتها وضعيفة في أغلب الأحيان.

لقد هُمِّش دور المرأة في القرون اللاحقة لصدر الإسلام، وازداد حصار حقوقها وتحولت لملك يمين أو أمَةٍ مميزة، وهذا ما أدى لتراجع دور المرأة وفاعليته في الحياة العامة مقابل قوته ونفوذه في القصور، وما الشهرة التي نالتها بعض نساء الخلفاء إلاّ بسبب نفوذ وشهرة حصلن عليها لأنهنّ نساء وأمهات حكّام متنفذين.

بالمقابل استطاعت المرأة في مصر الفاطمية أن تؤكد وجودها بقدر ما أتاحت لها الظروف، فشاركت في الحياة العامة، وحاولت الدفاع عن حقوقها وحريتها، فلم تستسلم للأوضاع القائمة. ومع أن المماليك قد تساهلوا قليلاً تجاه حركة المرأة وعلاقتها بمجتمعها، إلاّ أن هذا التساهل لم يُعِدْ لها أياً من حقوقها المهدورة التي منحها إياها القرآن، بل بقي في إطار التعامل اليومي والمشاركة في النشاطات الاجتماعية من بيع وشراء وإخراجها من انزوائها.

أما في العهد العثماني فقد ازداد قهر المرأة لأن الرجل أصبح أسوأ من أي عهد مضى، وذلك حتى مطلع حركة النهضة العربية.

 

المرأة في خطاب النهضة

في القرن التاسع عشر:

دخلت أحداث وعوامل هامة حرّكت المنطقة العربية أوائل القرن الـ19 وزعزعت سكونها، فأحدثت صدمة في مسار تطورها، واضعة البذور الأولى لتغيّرات شاملة دفعت بروّاد النهضة الأوائل للتجديد اللغوي والديني والنهوض القومي، فنادوا بموقف جديد من المرأة مطالبين برفع الحيف عنها بعد أن تردّت أحوالها، فجاءت أفكار هؤلاء الرواد نهضوية بمفهوم وظروف ذلك العصر، بعد أن كان مجرد الخوض في مبدأ المساواة بين المرأة والرجل يعتبر شذوذاً عن رأي الجماعة.

في هذه الفترة برز تياران نهضويان في النصف الثاني من القرن الـ19 في مجال حقوق المرأة:

1- تيار ليبرالي يضم مثقفين درسوا في أوربا أو زاروها واطلعوا على نمط حياتها وتشبعوا بمبادئ الثورة الفرنسية وفصل الدين عن الدولة من مثل (رفاعة طهطاوي، أحمد فارس شدياق، بطرس البستاني وغيرهم).

2- تيار ديني متجدد نادى بفهم جديد للإسلام يعود إلى الدين الصحيح من مثل (الأفغاني، محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي وغيرهم).

اهتم المفكرون العرب الليبراليون الذين شكلوا نواة البرجوازية العربية، التي استلمت السلطة في أكثر من بلد، بمشكلة المرأة، فطالبوا بإصلاح وضعها وتعليمها لتستطيع إدارة بيتها وتربية أطفالها بشكل أفضل، لكنهم لم يتعرضوا لقضاياها الأساسية كالمشاركة في الحياة الاجتماعية، أو الولاية، والتعدد والطلاق، أو إلى رفع الظلم عنها، لأن ظروفهم آنذاك لم تسمح بأكثر من التعليم من جهة، ومن جهة أخرى لأنهم لم يروا في مشكلة المرأة قضية أساسية، لكنهم في مطلق الأحوال قد أطلقوا شرارة تحرير المرأة.

أما التيار الديني التنويري، فقد نادى بفهم جديد للدين يزيل عنه ما علق به من زيف وبدع، وعمل على إعادة حق الاجتهاد والتأويل ليفهم المسلمون دينهم في ضوء المنهج العلمي، فرفض الأخذ بكل ما جاء به السلف، لا سيما في مجال المرأة، ورأى أن الإسلام الصحيح يخالف ما كان عليه وضعها، كما يخالف القوانين والأحكام الفقهية المعمول بها، فطالب المتنورون بمواقف جديدة وتشريعات من شأنها أن ترفع مستوى المرأة وتنصفها وتتيح لها الظروف المناسبة لتقوم بدورها الطبيعي في الأسرة والمجتمع، ومن أهم ما طالبوا به تعليم المرأة والسماح لها بالعمل، ورفع الحجاب والتخلي عن الانزواء، وتقييد تعدد الزوجات والطلاق، واعتمدوا القرآن والسنة مرجعية لاجتهاداتهم في هذا الشأن، وهذا ما اعتبر ثورة على ما كان قائماً، ومبادرة رائدة بهدف إعطاء المرأة بعض حقوقها.

لكن لا بد من الاعتراف بأن طرح مشكلة المرأة من خلال طلب المساواة المطلقة بينها وبين الرجل بمفاهيمنا الحاضرة كان أمراً مُتعذراً لسببين:

1- اعتمادهم القرآن والسنة كمرجعية، وهما لم يقررا هذه المساواة.

2- منظومة القيم السائدة حينها لم تكن لتسمح بأكثر مما طالبوا به.

خطاب المرأة في مطلع القرن الـ20

لم يكن هناك ما يسمى بحركة نسائية في القرن الـ19، وإنما وجدت نساء عملن بالأدب والصحافة والثقافة، وحاولن متفردات الكتابة عن ضرورة تعليم المرأة وتشجيعها على العمل والمشاركة بالحياة الأدبية والثقافية وقضايا المجتمع، ثم تطور خطابهنّ جزئياً فتعرّضن لبعض القضايا مثل تخليص المرأة من الحجاب واختلاطها بالرجل. لكن هذا الخطاب لم يأخذ قضية المرأة كهدف وهمّ رئيسي من همومه، ولم يكن لينادي بالمساواة أو حتى شبه المساواة.

وبعد افتتاح مدارس البنات ازداد عدد النساء المتعلمات والمتنورات مطلع القرن الـ20 فكان هذا من العوامل التي ساعدت على نشوء حركة نسائية أخذت تتبلور، لكن عبر مطالب متواضعة وخطاباً إصلاحياً يدعو للتعاطف مع المرأة لم يصل لمستوى ما طرحه قاسم أمين بسبب عدم قدرة هؤلاء الرائدات على طرح القضية طرحاً جذرياً بسبب طبيعة التطور آنذاك وعدم وجود حركة نسائية لها قوة اجتماعية أو قانونية، وأيضاً بسبب قلة عدد النساء اللواتي يساهمن في هذه الحركة. كانت هدى شعراوي هي الأبرز لأن قضية المرأة كانت واضحة في ذهنها منذ وقت مبكر، ساعدها أيضاً إخراجها لمظاهرات نسائية عام 1919 لدعم الثورة، فكانت أول مظاهرات نسائية في تاريخ العرب الحديث.

يُلاحظ أن مطالب النساء الرائدات في هذه الحركة النسائية كانت متواضعة، لكنها ثابتة وناهضة تتسع وتتعمق باستمرار وإن لم تكن لتصل إلى المطالبة بالمساواة أو تربط قضية المرأة بقضية المجتمع، إضافة لأن معظم هؤلاء الرائدات هنّ من بنات الأسر البرجوازية الناشئة والتي تبنت خطاب أحزابها السياسية.

 

من البرجوازية

إلى الإخوان المسلمين

ساهمت البرجوازية العربية بالإفراج عن المرأة، ووضعتها في أول طريق التحرر لاسيما عندما بدأت تشارك في السلطة مثلما فعل حزب الوفد في مصر، والكتلة الوطنية وحزب الشعب في سورية، وقد شجعت هذه الأحزاب على قيام جمعيات نسائية، وأصدرت تشريعات تسمح بعمل المرأة، وقوانين جديدة للأحوال الشخصية أعطت فيها المرأة بعضاً من حقوقها، كما أعطتها حق الانتخاب فكانت بداية الاعتراف بالحقوق السياسية للمرأة.

أما مثقفو الرجعية الإسلامية فقد تراجعوا مع مطلع القرن العشرين تراجعاً واضحاً عمّا طرحه قاسم أمين، وتغيّر خطابهم الذي أخذ طابع المحافظة والحذر مع شيء من مضمون الخطاب السلفي.

إن هذا النكوص كان يمكن أن يكون هيناً لو بقي رأي التيارات الدينية الإسلامية مثلما كان أيام السلف، لكنهم أخذوا يعودون بخطابهم لآراء الغزالي وابن تيمية، منادين بإيقاف الاجتهاد والاكتفاء باجتهاد السلف الذي كاد يصبح مقدساً لديهم، فأعطوا الحق لنفسهم بتمثيل الإسلام والنطق باسمه، وخاصة الإخوان المسلمين، الذين قرر مرشدهم العام حسن البنا أن الأعوج في المرأة رأسها، والمعتدل قلبها.

فأيّة حكمة هذه التي تقال في القرن العشرين؟

أما سيد قطب فيؤكد أن الرجل متفوق، وأن الإسلام قرر هذا التفوق (متى؟).

كما رأى الشيخ عمر عبد الرحمن أن النظام القانوني الحالي الذي يرفض تعدد الزوجات، ويعتبر الطلاق ظلماً للمرأة هو نظام كافر.

وأيضاً رأى محمد سعيد البوطي أن الضمانة الكبرى لبقاء الأمور على نهجها السوي هي أن لا تنزل المرأة إلى ميدان العمل من أجل الرزق إلاّ في أضيق الظروف.

 

المرأة في خطاب التيارات القومية والتقدمية

ظهرت التيارات القومية والتقدمية في البلدان العربية ما بين الحربين العالميتين، لكنها لم تتمكن من وضع نظرية كاملة وشاملة لمعالجة مشاكل وقضايا المجتمع كافة، وفي هذه الظروف لم تكن مشكلة المرأة مدرجة في سلم أولويات هذه التيارات والأحزاب التي كانت تكتفي بشعارات المساواة، والمرأة عماد الأسرة والمجتمع. غير أن هذه التيارات لم توضح موقفها من المرأة، وتعمق هذا الموقف بعد استلامها السلطة وإصدارها دساتير البلاد وقوانين الأحوال الشخصية، فكانت مواقفها قلقة ينقصها الكثير من الجدية والحزم، كما أن هذا القلق في الخطاب لم يرافقه قلق في الممارسة تجاه قضايا المرأة، فقد استجاب أنصار هذا الموقف لطبيعة التطور ومارسوا مواقف تقدمية تنم عن إيمان بحقوقها وقناعة بمساواتها نوعاً ما، لكن افتقادهم للنظرية الشاملة لم يتح لهم إدراج قضية المرأة في برامجهم كما كان متوقعاً.

ومع أننا بدأنا نلحظ في العقود الأخيرة من القرن المنصرم وبداية القرن الحالي تعيين النساء وزيرات، وهذه خطوة هامة إلاّ أنها لم تأتِ في سياق خطوة عامة تعترف بحقوق المرأة، بل ربما كانت خطوة تُجاري التطور العالمي وتعوض شكلياً عن مشكلة المرأة المستعصية، خاصة أن مفهوم المرأة القيادية لم يدخل في مخزوننا الثقافي بعد.

من الواضح أن النصوص الدستورية في البلدان التي تولت السلطة فيها أحزاب أو تيارات قومية وتقدمية، خطت خطوات هامة نحو وضع قضية المرأة في إطارها الصحيح، إلاّ أن هذه الدساتير نفسها نصت على أن الإسلام دين الدولة، والقرآن والسنة هما أحد أهم مصادر التشريع، كما نوهت بأهمية العادات والتقاليد كمرجعية، لذلك جاءت كل القوانين والتطبيقات مختلفة عن النصوص الدستورية أو مخالفة لها في كثير من الأحيان، ولم ترقَ للمستوى الذي وصلته هذه النصوص، ولا تنبئ بالمساواة أو تأخذ حقوق المرأة بالجدية والشمولية التي أخذت بها هذه الدساتير، فمثلاً جميع الدساتير سمحت بتعدد الزوجات، والطلاق أيضاً بقي من حق الرجل، أما الإرث فبقيت الشريعة مرجعيته، وأخيراً فإن ولاية المرأة المُطَلَّقة على أبنائها الذين يقعون ضمن حضانتها معدومة، فهي ليست أكثر من مربية وخادمة لهم وما عدا ذلك فليس من حقها.

إن قصور هذه القوانين لا يعود فقط للعادات والتقاليد أو الشريعة، وإنما لعدم القناعة الحقيقية والجدية لهذه الأحزاب والأنظمة بقضية المرأة وحقها الطبيعي في المساواة والحياة.

العدد 1193 - 9/04/2026