… وينساني الزمان!
مادلين جليس:
على الرغم من استيقاظي المبكر غير المرضي لي اليوم، إلا أنني آثرت أن استمتع بلحظات شروق الشمس، كما كنت أفعل أيام الجامعة والثانوية، وكانت فيروز أول مكونات هذا الشروق.
(أتمرجح بقلبك… قلّك أنا بحبك.. قطّف نجوم وقطّف.. وازرعهن بدربك…)!
كانت رائحة القهوة تعطّر الصباح، وتنساب في أجواء الغرفة وكأنها تتراقص على أنغام فيروز.. على الطريق ثلاثة أشخاص يمشون على عجل، إنها طالبة في الثانوية ومعها والداها، تحمل في يديها كتاباً وعدة أوراق، عيون والديها على الطريق وعيناها على الكتاب.
لا أدري لم عادت بي هذه الصورة إلى صور الماضي القديم، إلى صباحات كنا نتقاسمها ووالدي، تحضيراً للثانوية العامة، وكانت بنات الجيران يتقاسمن معي هذه الصباحات بحكم العمر الواحد.
(وكل نجمة تبوح بأسرارها… يارا… يارا…)
رجل آخر وابنته يعبران من أمام المنزل، يمسك الأب بيده عدة أوراق، أما الفتاة فكانت بجانبه تتحدث، يبدو أنه يراجع لها معلوماتها.
وعلى الرغم من ثقتي بنفسي التي ما تغيرت يوماً منذ صغري، إلا أن مجرد فكرة وجود منافس لي كانت تقلقني كما تقلق والدي فكرة عدم الحصول على علامات عالية، وعلى ما يبدو فإن هذا كان المحرض لي على استقبال شمس الصباح كل يوم، على الرغم من السهر والتعب والرغبة الشديدة في الرقاد.
(سلّم لي عليه.. وقلو إني بسلم عليه… بوّسلي عينيه وقلّو إني ببوّس عينيه…)
يبدو أن فيروز تتآمر مع الذكريات هذا الصباح، فقد كانت هذه الأغنية شريكة صباحات الدراسة، وخاصة حينما بدأت الامتحانات، وابتدأت معها لحظات الترقب والتوتر، كالتي ألاحظها الآن على وجه كل من يمر أمامي من الطلاب.
المهم في ذلك أن تلك المنافسة التي تحدثت عنها منذ قليل كانت دافعاً مهماً في نجاحي.
وهكذا مرت أيام الامتحانات والثانوية العامة، ومرت معها ساعات الاستيقاظ ومشاركة فيروز الصباحات الجميلة، ورافقتها فكرة المنافسة الدراسية، وحققت النجاح على الأقل كما أستحق.
وبدأت تلح عليّ فكرة الخمول والكسل، إذ بسبب البكالوريا القاسية فقدت الكثير من الساعات ليلاً كما خسرت كثيراً من ساعات النهار.
وهنا ابتسمت واتخذت القرار الحاسم… أغلقت النافذة وحولت صوت المذياع إلى الهمس، وتواريت في سريري، لأعوض ما فاتني من الماضي.
(طيري ياطيارة طيري ياورق وخيطان… بدّي ارجع بنت صغيرة على سطح الجيران…. وينساني الزمان… على سطح الجيران)!