من الصحافة العربية العدد 586
(حزب الله) والقضية السورية
إن أحد المظاهر الجلية للحالة السورية الحالية يقوم في تحول سورية إلى ميدان للصراع الإقليمي والعربي والعالمي. وإن ما يجري فيها هو امتحان نوعي جديد لتعقيد ودرامية مرحلة الانتقال الكبرى العاصفة في العالم العربي وآفاقه المستقبلية. مما يشير إلى أن هناك بؤرة قلقة في الصيرورة العربية لم يجر فك مكوناتها من أجل معرفة ما إذا كان بالإمكان تحولها إلى عاصفة مخربة على أطراف الجزيرة، أم أن تسير سيولها صوب إخصاب المنطقة بنوعية جديدة من البدائل القومية. فقد أدى تفكيك العراق، رغم كل مفارقة هذه الظاهرة، إلى إعادة لحمته بطريقة قوية وأولية. من هنا يمكن فهم الحمية الشديدة التي كانت وما تزال تقف وراء هواجس ووساوس ونزوع الدويلات الخليجية ومملكة آل سعود بشكل خاص، من أجل إجهاض وتخريب البنية العراقية الوطنية والقومية الآخذة بالنمو والتكامل، رغم كل طابعها الخرب والمعقد، عبر تغذية وشحن الطائفية بكل الوسائل والأساليب. بعبارة أخرى، إذا كان العراق قد (فلت) من قبضة الرشوة الخربة للدويلات الخليجية، فإن إعادة تطويقه من جديد تفترض فتح (الجبهة) المخربة التي وجدت في دعم (الثورة) السورية أسلوبها المناسب. بمعنى محاصرة المثلث العربي القومي الفاعل (سورية والعراق ومصر)، بعد أن أخذ يتحول صوب المثلث الاجتماعي السياسي القومي الجديد. وبما أن العراق وسورية أصبحا أكثر حلقاته ضعفاً، من هنا يمكن فهم سرّ هذا التكالب الشديد حولهما.
إن وقوف أغلب الدول العربية الحالية، وعلى رأسها مملكة آل سعود ودويلات الخليج شبه العربية، إلى جانب (الثورة) هو وقوف ضد سورية أولاً وقبل كل شيء. وذلك لأننا نستطيع تصور كل شيء، باستثناء دعم دويلات الخليج ومراكز الكولونيالية القديمة (والجديدة) لفكرة الثورة الاجتماعية والتحرر القومي الفعلي. بل على العكس، إن حميتها النشطة واستماتتها في الصراع حول سورية هو نتاج الوعي السياسي بحقيقة سورية لا بحقيقة الثورة. فالثورة (السورية) الحالية هي ليست (حقيقة سورية). وبالتالي، فإن دعم القوى الكولونيالية والأطرافية (للثورة) هو شكل من أشكال الانتقام التاريخي ضد التاريخ السوري الحديث وسورية بوصفها بؤرة الكينونة العربية القومية الحديثة. كما أن مجرى الأحداث الدامية في سورية تكشف وتبرهن بقدر واحد على تحول فعل الثورة في سورية إلى ثورة مضادة فعلية. الأمر الذي يشير بقدر واحد إلى خلل الفكرة السياسية والإصلاحية وفكرة الدولة والنظام السياسي في سورية.
لكن الحصيلة الجلية بعد عامين من الصراع الدامي تكشف عن أن مجرى الصراع قد تحول فيها لا باتجاه إعادة بناء أو إعادة تأسيس بنية النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والحقوقي، بل باتجاه تدمير وتخريب الدولة والمجتمع والأمة في سورية. وأصبح ذلك شعار ومسار (المعارضة المسلحة). الأمر الذي جعل من منطق المقاومة الاحتكام إلى ما فيه من قواعد لعل أولها هو الوقوف ضد كل محاولة تهدف إلى تدمير وتخريب سورية. مع ما يستتبعه من مواجهة حية للعدوان الخارجي.
فالعدوان الخارجي على سورية عالمي متعدد الأوجه والمستويات، بينما لم يشترك في الدفاع عن سورية أو إسنادها بصورة حية مباشرة في العالم العربي غير (حزب الله). وهو الحد الأدنى للإيمان كما يقال. كما أنه المحك والاختبار العربي الأول الكبير. إذ إن فكرة المقاومة والتحدي بالنسبة (لحزب الله) هي فكرة جوهرية شاملة، ومن ثم هي وطنية قومية (لبنانية عربية) بالضرورة. فالارتباط العضوي وإلى حد ما المصيري بين النظام السياسي الحالي في سورية و(حزب الله) هو الوجه الآخر للارتباط العضوي بين سورية ولبنان بمعايير فكرة التحدي والمقاومة. كما أنها فكرة واقعية ومنطقية وإستراتيجية بقدر واحد. ويدركها الأعداء قبل الأصدقاء. من هنا يمكن فهم بواعث الهجمة الدعائية العنيفة ضد (حزب الله)، وتصوير (تدخله) في الشأن السوري كما لو أنه خروج على فكرة المقاومة، ومن ثم تعبير عن (نزوع طائفي). بينما الحقيقة هي على العكس تماماً. إن مشاركة (حزب الله) في الدفاع عن سورية ضد تدخل الأعداء وحربهم عليها يعمل ويهدف بقدر واحد على إنقاذ فكرة المقاومة والاستقلال والفكرة العربية وأصولها الثقافية.
وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى مشاركة (حزب الله) في الدفاع عن سورية، باعتبارها مساهمة ذاتية ترمي إلى ما يمكن دعوته بتذليل الخطأ الاستراتيجي المتعلق بالحالة السورية ومستقبلها، لكي لا يقع الجميع في خطيئة تاريخية. إنه يساهم، رغم كل التشويه المتعمد الذي قام به أعداء الداخل والخارج، بمهمة الخروج من المعادلة التي تحاصر السلطة والمعارضة بكل أنواعها وأشكالها وأطيافها وعقائدها من البقاء بين زمن الأخطاء الاستراتيجية وإمكان الوقوع في خطيئة تاريخية فاحشة. ولكن هل يعني ذلك أن (حزب الله) يدفع خطأ النظام السياسي في سورية وخطيئة المعارضة؟ أم أنه يعمل بمعايير أخرى مبنية على أساس إدراكه المباشر والمستقبلي لمهمة الحفاظ على سورية بوصفها دولة وشعباً وأمة؟ وللإجابة عليهما ننطلق من مقدمة عامة تقول، بأن للوجود وقائع وحقائق. والوقائع ما تتضمنه الأسئلة، والحقائق هي الرؤية والمواقف التي ترتقي إلى مصاف الجمع النموذجي بين الحق والحقيقة. وعندما نتأمل التفسير السياسي والسلوك العملي (لحزب الله) تجاه (القضية السورية) بوصفها قضيته الذاتية، فإنه يكون قد حقق المبدأ الجوهري لفكرة وشعار المقاومة والتحدي ضمن سياق العلاقة اللبنانية السورية ونوعية الصراع الحالي والمستقبلي بين مشروعين متناقضين لفكرة النهضة والقومية.
ميثم الجنابي
(الحوار المتمدن)، 30/6/2013