الأزمة السورية وكشف الاصطفافات الجديدة وبوابات الحلول

 

تتصدر الأزمة السورية أخبار وكالات الأنباء ووسائل الإعلام المختلفة، بسبب تزايد تعقيدها، وغموض كثير من الجوانب المؤثرة على تطورها اللاحق، وبسبب انشغال أعلى مستوى الدبلوماسية في العالم بمناقشة تداعياتها، ومنع وصولها إلى دول مجاورة أو مناطق بعيدة.

 وتتكشف وقائع مثيرة للاستغراب حول سياسات ومواقف متناقضة لدول وازنة، تعلن رفضها للإرهاب وسعيها لمواجهته من جهة، وتقوم بتجنيد مجموعات تكفيرية وجماعات متطرفة تابعة لتنظيم القاعدة وتسلحها وتمولها وتسهّل عبورها إلى الأراضي السورية لارتكاب جرائمها المروعة، وتصمت عن الفظائع والمجازر، وتعدها «جهاداً وفعلاً ثورياً»، أو تنسب المسؤولية عنها إلى الجيش السوري النظامي الذي يرمز إلى وحدة البلاد ويدافع عن السيادة السورية.

ولم تصمد هدنة عيد الأضحى كما كان متوقعاً، وحمّل المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي وصاحب الاقتراح، الدول المعنية وأطراف الأزمة السورية والجهات الداعمة للمسلحين المسؤولية عن إخفاق الهدنة، وأكد أن لديه أفكاراً سيطرحها على الجامعة العربية ودول الجوار والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. ولقيت جهوده تجاوباً من سورية، ومساندة فعلية من روسيا والصين وإيران.

واضطرت دول معنية بالأزمة إلى تغيير تصريحاتها ومواقفها، بعد أن تعدّت تداعيات الأزمة الحدود السورية صوب تركيا ولبنان والأردن، وطالت السعودية والعراق.. فقد تغيرت اللهجة الأمريكية من التصعيد والتلويح بتدخل عسكري وفرض مناطق عازلة بالتنسيق مع تركيا، إلى قبول بحكومة التوافق اللبنانية، ورفض أنشطة فريق 14 آذار واستغلاله حادثة اغتيال اللواء وسام الحسن لشن حملة من أجل إسقاط الحكومة ودفع لبنان نحو الفراغ الدستوري.

وتغيّرت لهجة الدبلوماسية الفرنسية بعد زيارة وزير الخارجية الروسي لافروف إلى فرنسا، وتأكيده ضرورة الحل السياسي للأزمة، استناداً إلى اتفاق جنيف. وكانت الأزمة السورية ودعم لبنان محور الزيارة السريعة التي قام بها الرئيس الفرنسي هولاند إلى بيروت، في طريقه إلى جدة لعقد مباحثات مع العاهل السعودي.

وتبدو المعارضات السورية الخارجية في أسوأ أحوالها واستعراضاتها، وغفلتها عما يتغير على الأرض أو في الجوار الإقليمي، أو على الساحة الدولية.. إذ تحاول أن تغطي خلافاتها وانقساماتها وتشكيك الداعمين لها «وفي المقدمة الإدارة الأمريكية» بتمثيلها لأطياف المعارضة السورية، بالعودة إلى «الدوحة» والتماس الدعم المالي، وتلبية رغبة حلفاء غربيين بإعلان حكومة سورية في المنفى، وإعادة خلط الأوراق وترتيب الاصطفافات لملاقاة نتائج الانتخابات الأمريكية.

وأمام تسارع الضغوط الغربية والخليجية، وتصعيد المجموعات المسلحة التي تتزايد مع كل انعطاف نحو مبادرة لوقف النار أو بوابة للحوار، ومع أي زيارة لمسؤول غربي إلى المنطقة، تعمل الدبلوماسية الروسية على تثبيت مرجعية واضحة ملموسة تنطلق منها الجهود التوافقية والحوارية بين الحكومة السورية والمعارضة نحو المرحلة الانتقالية.

وتقف روسيا على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وتحاور المعارضات والحكومات ذات التأثير عليها، وستكون حصيلة جولة وزير الخارجية الروسي لافروف إلى القاهرة والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة، ولقاءاته التي يجريها مع المسؤولين فيها، كاشفة لمدى التزام هذه الأطراف بمقتضيات الحل، واستعدادها لإزاحة أي عائق يعترض نشاط المبعوث الأممي أو يزيد في معاناة الشعب السوري. وقد رحب لافروف باقتراح تركي يدعو إلى تشكيل مجموعة اتصال تضم روسيا وإيران وتركيا، وبمبادرة مصر لتشكيل لجنة رباعية وعودتها إلى موقعها الإقليمي.

ونعتقد أن اضطرار الدول الغربية لتعديل مواقفها، وإدانتها لما ارتكبته المجموعات المسلحة المعارضة من مجازر وجرائم حرب موصوفة، يكشف أزمة هذه المعارضة وعمق خلافاتها وتناقض مواقفها التي »نجحت في التخريب وهدم المنشآت العامة والخاصة، وفي قتل الكوادر العلمية«، ولكنها لا تملك رؤية لبناء دولة القانون والمساواة والعدالة والكفاية. إذ بدأت أنشطتها بالتسول والتماس الدعم من السفارات والدول التي لا تريد أن تكون سورية قوية وموحدة ومكتفية وسيدة قرارها الوطني، ولم تستطع هذه المعارضات برغم حجم الدعم المالي والعسكري والإعلامي والاستخباري، وبرغم تداعيات الأزمة على شرائح واسعة من الشعب السوري، أن تجتذب تأييداً ملموساً أو تحقق نجاحاً ملحوظاً على الأرض. وهي تخسر اعتراف أبرز داعميها، وتزداد ارتهاناً وتهالكاً لخدمة أولياء نعمتها.

ونرى أن تورط دول بعينها في تدريب المسلحين وتمويلهم لاستنزاف سورية وإنهاك جيشها واستخدام التفجيرات المتنقلة والهجمات الخاطفة على حواجز التفتيش أو المواقع الثانوية لا يغير في معادلة تماسك الشعب السوري وتفهمه لتعقيدات الأزمة وتعرجاتها، ولكنه يكشف أهمية المساندة الشعبية اليقظة لجهود المؤسسات الرسمية التي تدافع عن أمن المواطن، وتحاول تلبية احتياجاته، وتسعى لاستعادة هيبة الدولة، والمطلوب الآن تهيئة الظروف المؤاتية للحوار الواسع بين أطياف الشعب السوري كلها، بعد وقف الاشتباكات وطرد الإرهابيين والغرباء إلى خارج البلاد، وترجمة برامج الإصلاح، إلى واقع يقود إلى بوابات الحلول المنشودة.

العدد 1195 - 23/04/2026