المواطن السوري بين الحكومة والتجار… والولايات المتحدة والغرب

على الرغم من كل التحديات التي واجهت وتواجه المواطن السوري، إلاّ أنه ما زال متمسّكاً بوطنه حراً مستقلاً، ورافضاً كل عدوان خارجي عليه مهما كلفه ذلك من ثمنٍ قد يقتطعه من قوت يومه وأطفاله، وربما من حياته المعرّضة في كل حين إلى الخطر المحدق، منذ ما يُقارب السنوات الثلاث من عمر الأزمة الداخلية- الخارجية في البلاد.

غير أن هذا الصمود، وتلك التضحيات لا بدّ لها من سند يقوي عزيمتها، ويشدّ من أزرها حتى تتكامل مستلزمات التحدي لدى هذا المواطن المُثقل أساساً بأعباء وهموم فاقت حدود المعقول، منذ ما قبل الأزمة التي تطيح بالبلاد والعباد وأثناءها. واليوم الأهم هو التصدي للعدوان الغربي المرتقب على سورية وشعبها، ولا شك أن السند الأساسي والهام هو:

 أولاً-  الحكومة بجلالة قدرها وقدرتها على تأمين كل احتياجات هذا الصمود، لاسيما الاحتياجات الأساسية والضرورية من أغذية وأدوية ومستلزمات الأطفال، إضافة إلى تعزيز هذه الإجراءات برقابة صارمة على الأسواق المنفلتة من عقالها أساساً، وذلك بمحاولة حصر هذه المستلزمات بالمؤسسات الحكومية المعنية، أسوة بالإجراءات التي اتُخذت أثناء حصار الثمانينيات من القرن المنصرم. لأن أول ما تقوم به الدول التي تتعرض للمخاطر أو الحروب عادة، هو تعزيز وتدعيم ما يُسمى باقتصاد الحرب، الذي يتمثل في تأمين احتياجات الجيوش، مترافقاً مع تأمين احتياجات المواطنين الضرورية. من هنا نجد أن على حكومتنا الموّقرة أن تُعد العدّة اللازمة من احتياجات المواطنين الأساسية، مثلما تُعد العدّة العسكرية لصدّ العدوان الغربي، على اعتبار أن العدّتين تكمل إحداهما الأخرى من حيث قوة ومناعة الصمود السوري الرسمي والشعبي.  

ثانياً-  الرديف الأساسي للحكومة، وهم الصناعيون والتجّار الذين تقع عليهم مسؤولية إيجاد المواد والسلع وانسيابية توافرها في الأسواق طرداً مع الظروف الطارئة في البلاد.

ولكن، إذا ما أمعنّا النظر فيما يجري أثناء الأزمة الداخلية، أو بعد الإعلان عن توجيه ضربة عسكرية غربية ضدّ سورية، نجد أن الأسواق تشهد أغرب فلتان وارتفاع للأسعار عايشه المواطن، وذلك بسبب جشع التجّار وطمعهم المنفلت من كل عقال وعقاب، بسبب غياب الرقابة الحكومية شبه الكاملة والدائمة عن هذه الأسواق، وعدم محاسبة المسؤولين عن هذا الهيجان غير المبرر، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تكاتف الجميع من أجل مواجهة ما يُحاك لنا من اعتداءات غربية تقودها الولايات المتحدة وأوربا تحت ذرائع متعددة من أجل الإجهاز على ما تبقى من قوة للبلد والشعب.

فالأسواق السورية شهدت في الآونة الأخيرة حركة غير اعتيادية إن كان لجهة اندفاع الناس لتأمين احتياجاتهم الضرورية تحسباً للظروف الأمنية والاقتصادية التي سيفرضها العدوان، بسبب عدم ثقة المواطن أن احتياجاته ستكون في متناول يده عن طريق المنافذ الحكومية المفروض والمنوط بها هذه المهمة لاسيما في الأوقات العصيبة، أو لجهة تأمين مؤونة الشتاء واحتياجات الأولاد من المستلزمات المدرسية مع قرب افتتاح العام الدراسي. ويأتي كل ذلك في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار التي فاجأت الجميع بما يفوق ما تبقى من قدرة المواطن على تحمّل كل تلك الأعباء التي ينوء تحت كلكلها الراتب الزهيد الذي لا يفي باحتياجات أيام معدودة من الشهر، فكيف الحال مع كل ما ذكرنا من متطلبات!

لقد أثبتت الأزمة التي نعيشها أن جشع التجّار وطمعهم لا حدود له، فهم تخلوا عن كل ضمير يحكم الأخلاق في مثل هذه الظروف العصيبة، يساندهم إهمال حكومي رقابي على تصرفاتهم، فبدل أن يكونوا عوناً للناس والحكومة في الحالات الطارئة، أطلقوا العنان اللامحدود لطمعهم ونهمهم.

من هنا نجد المواطن السوري اليوم أمام عدوين لا يقل أحدهما ضراوة عن الآخر:

– العدو الخارجي/ الأمريكي- الغربي الذي لا يحتاج إلى توصيف.

– والعدو الداخلي المتمثل بأولئك التجّار المجرمين الذين لا رادع لهم ولا ضمير، وهم بذلك أشد بشاعة وإجراماً ممّن يحمل السلاح ويصوّب بندقيته، فهذا المسلّح قد يقتل عدة أشخاص، أما التجّار المجرمون فإنهم يقتلون جميع الناس في وقت واحد، ويغتالون لقمة عيشهم وأدويتهم التي قد تبقيهم أحياء. وبدل أن تُدعّم الحكومة والتجار صمود السوريين ليبقوا على قيد بعض كرامة ونهوض، يجري التلاعب بمدى قدرتهم على تجرّع المزيد من القهر والفقر والجوع والدمار الداخلي قبل الخارجي.

فهل من مغيث لشعبٍ آمن بضرورة الدفاع عن الوطن وحتميته مهما اشتد الفتك والحصار؟

العدد 1195 - 23/04/2026