من يديرعجلة الحل السياسي للأزمة السورية؟
كشفت تداعيات الأزمة السورية وفصولها الكارثية جوانب جديرة بالاهتمام عند مقاربة هذا الملف المعقد. إذ ظهر انقسام مجتمعي وسياسي حاد بين رؤيتين: واحدة تريد حواراً شاملاً يفضي إلى حل سياسي وتغيير ديمقراطي، وأخرى ترفض الحوار وتريد إسقاط النظام بكل الوسائل، وتبرر العنف، ولا تعدُّ قتل المدنيين أو خطفهم وترويعهم وتهجيرهم إرهاباً، وتستدعي التدخل الخارجي. وظهر تجاذب إقليمي شديد بين أطراف يريد كل طرف منها أن يتفرد بالتحدث باسم دول المنطقة. كما ظهرت خلافات حادة في مجلس الأمن بين الأعضاء الدائمي العضوية بشأن ملفات المنطقة كلها (الملف النووي الإيراني، وأزمتَيْ العراق ولبنان، والملف الفلسطيني، والأزمة السورية). وهذه التجاذبات والخلافات عطلت عدداً من الإجراءات والقرارات التي اتخذت بخصوص سورية، وشجعت على اتخاذ عقوبات ظالمة من جانب واحد ودون سند قانوني، كما شجعت على التجييش الإعلامي وتمرير الأسلحة والمسلحين إلى داخل سورية من دول الجوار، ومن عدد من بلدان العالم.
وهذا الوضع المعقد أعاق تنفيذ خطة النقاط الست التي أقرها مجلس الأمن، وجعل المبادرات التي ركزت على إيجال حل سياسي بإرادة سورية استناداً إلى اتفاق جنيف غير مقبولة من المعارضة المسلحة وداعميها، وفتح الأبواب على إمكان انتقال المخاطر إلى دول الجوار وإلى مناطق أبعد.
وأمام تماسك مؤسسات الدولة السورية، والمؤسسة العسكرية خاصة التي تحملت عبء مواجهة عمليات إرهابية خطيرة، وأمام صبر السوريين على تداعيات الأزمة وطول أمدها، وعلى الآثار السلبية للعقوبات الجائرة ضد الدولة، تمكنت دائرة القرار من عبور الحلقة الأخطر في الأزمة، وأقنعت أصدقاء سورية بأن اتفاق جنيف يشكل أساساً مقبولاً لصياغة مبادرة مقبولة من الحكومة والمعارضة السلمية، وأن أي حوار جدي لن يبدأ قبل أن يتوقف العنف وينحى السلاح جانباً.. ويجري وقف تمرير المسلحين وتمويلهم من دول الجوار وبالتوازي مع تصعيد (الائتلاف الوطني السوري) الذي يدعي تمثيل مجموعات المعارضة المسلحة للعنف، ودفاع رئيسه عن (جبهة النصرة) رغم ارتكابها جرائم وحشية، ورفض الائتلاف للدخول في أي حوار قبل إسقاط النظام، فقد نشطت الدبلوماسية الروسية والإيرانية، ونشط المبعوث الأممي في رصد المواقف المستجدة، وبدأت مظاهر الميل لقبول الحل السياسي لدى أطراف ظلت حتى أمد قريب تساهم في التصعيد والتسليح والتمويل مثل الإدارة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا والسعودية ومصر.
وتحركت الدبلوماسية السورية بنشاط على ضوء هذه المتغيرات، وحمل نائب وزير الخارجية والمغتربين السوري د.فيصل المقداد أفكاراً إلى وزير الخارجية الروسي لافروف، وهي أفكار سمعها المبعوث الأممي الإبراهيمي من القيادة السورية في دمشق، وبلور على أساسها رؤيته الأولية للحل السياسي.
كما نقل المقداد الأفكار نفسها إلى طهران التي طرحت مبادرة للحل السياسي قبل شهور في قمة عدم الانحياز، لكن التجاوب معها لم يكن مرضياً حينذاك.
ونعتقد أن عجلة الحل السياسي ستدار قريباً بشأن الملف السوري، ولكن من يديرها؟ وهل تكفي التصريحات أو التطمينات لإيجاد فرصة لوقف نزيف الدم؟
وهل يشير تصريحا وزيري خارجية مصر والسعودية بشأن ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة في سورية إلى تحول في موقفي حكومتيهما؟ أم أن خيوط اللعبة مازالت مشدودة وتحتمل تصعيداً من نوع آخر؟
ونرى أن إتقان مؤسسة القرار لإدارة الأزمة، وتركيزها على قدرة السوريين على إيجاد مبادرة مرجعية لحل أزمتهم بعيداً عن أي تدخل أو إملاء، وتأكيدها أن أي مبادرة يقدمها طرف خارجي لابد أن تستند على عناصر المبادرة المرجعية، وأن تكون مساعدة لا بديلاً، وأن تتضمن عدم المس بالسيادة السورية، وأن تؤكد ضرورة وقف العنف قبل البدء بأي حوار، يجعل هذه المؤسسة قادرة على إدارة عجلة الحل السياسي للأزمة السورية، ويمكّنها من عبور هذا الاختيار الصعب، والعبور بالوطن الموحد السيد إلى عتبة الانتقال الآمن نحو تغييرات ديمقراطية يستحقها السوريون بتضحياتهم وبتطلُّبهم المشروع. ونرى أن مظلة لهذا التوجه من مجلس الأمن، وإضافة عناصر مساعدة لاتفاق جنيف وإقراره في المجلس، ودفع الدول المؤثرة على المجموعات المسلحة إلى تحمل مسؤولياتها في لجم دائرة العنف يمكن أن يسهم في التوصل إلى الحل السياسي المنشود.