تلازم مسارَيْ الحوار الواسع والدفاع عن الوطن
ترددت منذ بدايات الأزمة السورية مقولات متسرعة لا تتصل بمقاربة جدية لتشعبات الوقائع وخطورة التداعيات. ومن هذه المقولات (لا حوار حتى يتوقف العنف)، (ولا حوار حتى يسقط النظام)، والمقولتان تظهران ابتعاداً عن رؤية تعقيد الأزمة، وأحادية فكرية في مقاربتها، وابتعاداً عن توفير استحقاقات الحوار وبناء آلياته بروح من الشراكة المسؤولة في الوطن وتجنيبه المزيد من العنف والنزف.
وكان متوقعاً أن تلاقي الآلية التي أديرت بها الجولة الأولى من الحوار تشككاً وسلبية وعزوفاً عن الدخول في ورشاته من أطياف عديدة من المعارضة السلمية في الداخل والخارج، وأن تشكل طريقة التعامل غير الجدية مع نتائجه، وتهميش اللجنة المشرفة عليه حجة تذرع بها الذين ظلوا يرددون منذ بدء الأزمة أن النظام اختار الحل الأمني والحسم العسكري، وهو لا يريد الدخول جدياً في الحوار، أو إجراء تغييرات ديمقراطية ملموسة.
واليوم وبعد أن تكشفت صراعات المصالح الإقليمية والدولية على المنطقة، وبعد أن تبين أن سورية هي مركز الزلزال، وأن تداعيات الأزمة ستطول بقدر استمرار دعم الأطراف الإقليمية والدولية للأطراف المسلحة الرافضة للحوار، التي زادت من أعمالها الوحشية وجرائمها التي تحمل بصمات تنظيم القاعدة والجماعات الملتحقة به، والتي يتعدى خطرها الدولة التي تنكب بها.. وبعد أن تحددت مرجعية للحل السياسي المستندة إلى وثيقة جنيف، وأن هذا الحل سيواجه تجاذبات إقليمية ودولية شديدة.. أليس ضرورياً أن نعيد النظر في الآليات التي اتبعت في التجربة الأولى، وأن نلحق بالرؤية الجديدة المعلنة من جانب مؤسسة القرار في سورية حزمة من الإجراءات والخطوات العملية والتطمينات الجاذبة كي يكون إقلاع الحوار ناجحاً؟ وما ذكره وزير الخارجية والمغتربين في هذا المضمار مؤشر جيد.
ومن بين الإجراءات المقترحة تشكيل لجنة عليا لإدارة الحوار ذات صلاحية موضحة بمرسوم، ولها حق الاتصال مع المعارضين في الداخل والخارج، ولها دينامية تمكنها من وضع آليات ملائمة للسير بالحوار في خطوات متصلة، يتم في إحدى محطاتها التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تؤمن (الدخول) في المرحلة الانتقالية.
ونعتقد أن النظر إلى الحوار مدخلاً ومفتاحاً واستحقاقاً للسير نحو الحل السياسي من جهة، ولمواجهة تداعيات التأزيم والإجرام المتنقل والإرهاب المنفلت من جهة أخرى، يقتضي أن يقرن الإعلان عن برنامجه ودعوة الأطراف المعنية بإنجاحه، بحزمة من آليات الدفع والدعم، وباجتذاب وجوه لها استقلالية ورؤية وصدقية وتمكينها من الدخول إلى قلب العملية. وهذا التوجه كفيل بأن يجعل قضية الدفاع عن الوطن متلازمة مع ورشة الحوار، وأن تكون مسؤولية الدفاع الوطني تخص قطاعات المجتمع كلها لا المؤسسة العسكرية وحدها.
ونرى أن تلازم مسارَيْ الحوار السياسي الواسع والدفاع عن الوطن أمر فرضته الحاجات الوطنية والتجاذبات المتصاعدة والأخطاء السابقة، والتصدعات في الحلف المعادي للدولة السورية المستقلة ولدورها الفاعل في محيطها العربي والإقليمي، وفرضته الفرصة المتاحة حالياً لتعرية العمليات الإرهابية ومرتكبيها في سورية، وربط أعمالهم بما يرتكب حالياً في العراق والجزائر وباكستان ومالي، وحث الأطراف الإقليمية والمجتمع الدولي على أن يلتزموا الموضوعية في النظر إلى هذه الأعمال التدميرية والانتهاكات الخطيرة لحقوق الآمنين وممتلكاتهم، ولقواعد القانون الدولي والشرعية الدولية.
ونرى أن خبرات شعبنا كبيرة، وجديرة بأن ينظر إليها بثقة وتفهم، وأننا قادرون على تحقيق نقلة في آليات الاستفادة من هذه الخبرات، وفي تدعيم الخطط والرؤى المعلنة للحل السياسي بإجراءات جاذبة وملائمة.. فالشعب جدير بأن يسأل وأن يشارك وأن يقرر مستقبله بإرادة حرة، وبأن تتغير آلية الوصاية على قراراته، وأن تحل محلَّها آلية الشراكة الحقيقية في الرأي والقرار، وفي الدور والمصير، وعندئذ يغدو أقدر على مجابهة التحديات، ودرء تداعيات التجاذبات، ويغدو جديراً بالحياة الحرة الكريمة.