المصالحة الوطنية.. مشوار الألف ميل بدأ

سأتكلم هنا عن المصالحة الوطنية التي بدأت تعم بلادنا وكأنها عصاً سحرية أوقفت فجأة نزيف الدم وويلات الحرب في منطقة تواجدها.

فهنا قتلٌ وهناك قنص، هنا قذائف هاون وهناك رصاصٌ طائشٌ،هنا خرابٌ كبيرٌ وهناك حزن ثائر،هنا نارٌ وبارودٌ وهناك مصالحة! نعم  مصالحة،  فكل شيء  ممكن عندنا نحن السوريين: الحب ممكن والحرب ممكنة، العداء ممكن والصلح ممكن، التمرد على الوطن ممكن والالتحاق  به ممكن وممكن.

فها هي ذي القنوات التلفزيونية السورية تزف لنا من حين  إلى آخر خبر المصالحة بين منطقة معينة من هذا الوطن  والدولة، ليزول اللون الأسود أم الأحمر الذي كان يلوّن المنطقة المتصالحة على خريطة سورية دليلاً على زوال الخطر وخروجها من دائرة الموت ولو مبدئياً. وقد نختلف على المصالحة بشكلها ومضمونها، فهل هي حركة مسرحية أم أنها حركة وطنية؟

فللمصالحة السورية وزارتها ووزيرها، فلسفتها ومنطقها، أشخاصها ولجانها، قوانينها وشروطها.

كما أن المصالحة مشروعٌ كبيرٌ على مستوى الوطن ودوافعه مختلفة وكثيرة، فقد  تكون حباً بالوطن مرة، أو درءاً للمزيد من الخسائر مرة أخرى، حقناً للدماء مرة أو خياراً حلواً بين مرَّين أحلاهما مر.. مرة أخرى.

لكن أياً كانت الدوافع فكلها يجب أن تؤدي إلى وقف الدماء وإعادة البناء بإيجابية، دون أن ننسى أن الطريق نحو المصالحة ليس مفروشاً بالورود أبداً، فالعقبات النفسية والاجتماعية والواقعية كثيرة، فهنالك دمٌ مسفوكٌ وقلبٌ مفطورٌ وبيتٌ مهدومٌ.

و الأهم كيف سيعود أبناء المنطقة الواحدة، حتى بعد تسوية أوضاعهم مع الدولة، أن يعيشوا معاً، فالأمور ليست دائماً سهلة وتختلف من منطقة إلى أخرى.

فالناس  في مناطق كثيرة يصعب عليهم  أن  يعودوا ويلتقوا ويكبحوا جماح غضبهم، فالمسألة، تحتاج إلى وقت، ولا بد لنا من  أن نستعد للمفاجآت التي تنغص فرحة المصالحة من رغبة من الانتقام، من خوف من جارٍ كان جاراً للرضا، و لنتوقع هدوءاً حذراً من خيانة  جديدة لطالما هزمتنا  دونما قتال.

و يبقى السؤال هل يمكن أن تدخل في العملية كل المناطق السورية كأحجار الدومينو  لصالح المصالحة؟ ممكن، وكل شيء ممكن، وهذا كل التمني . لأنه ليس لنا إلا المصالحة الوطنية الحقيقية، فهي وحدها الكفيلة بتهيئة جو مناسب لإعادة الأمن والاستقرار للبلد .المصالحة تغفر، المصالحة تبني،المصالحة تبلسم الجراح وترد البلاء وتضع حداً للخسائر.

فالتجربة السورية في المصالحة لا تزال في بدايتها وتستحق المتابعة والنقد والتطوير. وهي أشبه بزهرة تنضج وتتفتح ويلزمها الكثير من الصبر والجهود الجبارة والإرادة الصلبة من الدولة والشعب لتؤتي نفعها وتصون الوطن.

الطريق طويل  طويلٌ، لكن مشوار الألف ميل لا بدَّ أن   يبدأ بخطوة، وسورية بدأت، وكل التوفيق لكل الجهات والأشخاص الذين يسعون  لإنجاح عملية المصالحة في سورية، فهم بمساعيهم الحميدة ونياتهم الحسنة يساهمون بإعادة السلام والاستقرار للبلد.

العدد 1191 - 18/03/2026