تخييل الواقع

سؤال إشكالي قديم جديد.. ما هي علاقة الأدب بالواقع؟ وهل ثمة تأثير له في عملية تغييره وتطويره؟ وإذا ذهبنا أبعد من ذلك: في تثويره وجعله أكثر إنسانية.

إذا كانت مهمة الفلسفة في القديم تفسير العالم، فإنها مع ماركس والمنهج المادي الجدلي، تجاوزت التفسير إلى التغيير، وعملية تغيير الواقع لها أشكال مختلفة وطرق متباينة وفق الظروف التاريخية الملموسة، منها السلمي ومنها الثوري، ومنها التوافقي (التصالحي).

وبما أن مرجعية الأدب والفلسفة والمعرفة عموماً، هي الواقع بوصفه يتمتع بوجود موضوعي ويملك استقلالاً عن وعينا له، والأدب يمثل بدوره شكلاً من أشكال انعكاسه على الذات الإبداعية، يمكن إذاً تبسيط العملية الإبداعية، وفق العلاقة التالية:

 الواقع المرجعية (المعكوس)، ذات الكاتب الإبداعية (العاكس)، الإنتاج الإبداعي (المنعكس)، ولأن ذات الكاتب الإبداعية، مهما امتلكت من خصوصية وذاتية وتميز، تبقى خاضعة لأحكام التاريخ وتطور المعرفة، فهي لا تخرج عن القوانين العامة للعملية التاريخية الاجتماعية، لكنها مع هذا تبقى ذاتاً لشخصية لها مزاياها وتشكّلها المحدد.

إذا كان الواقع (المرجعية) واحداً فإن الذوات الإبداعية متغايرة ومتمايزة، وهي خارج منظومات التماثل الاجتماعي، فلو افترضنا مثلاً أن مجموعة من الكتاب يتحدثون عن موضوع واحد، فإن إنتاج كل منهم سيكون  بالضرورة مختلفاً، لتنوع مصادر معارفهم، واختلاف حدة أحاسيسهم وملكاتهم الإبداعية ورهافتها، لذلك يكون إنتاجهم متبايناً، مما يضيف غنى وتنوعاً إلى الواقع الذي يصدرون عنه.

الواقع مرجعية، فإذا أضفنا إليه التفكير الرغبي للذات المبدعة وقدرة الكتاب على التخييل، وإمكاناتهم اللامحدودة في إنتاج الأحلام، وتسويقها، ورسم معالم المستقبل، كأحد بدائل الواقع، نجد أنفسنا أمام واقع بديل يستند إلى الواقع المرجعي، ويوازيه، وفي الوقت نفسه يتجاوزه إلى واقع آخر، حتى ولو كان متخيلاً.

قدرات الكتاب لا تتوقف على إمكانياتهم الإبداعية   (الموهبة، الثقافة، التجربة)، وإنما تتجاوز ذلك إلى طرق وآليات فهم الواقع، وإدراك قوانينه الموضوعية، وسبر تموضعات طبقاته المتراكمة، والمتكونة من الماضي السحيق، إلى تعقيدات الحاضر (الراهن)، حتى آفاق المستقبل.

عملية الانعكاس هذه، شديدة التعقيد والتداخل، وهي قطعاً ليست مرآتية، فالذات المبدعة لا تعكس الواقع، كما تعكس المرآة الضوء (زاوية الورود تساوي زاوية الانعكاس)، لأن المنعكس يتلون بتلاوين الذات المبدعة، ويتشكل وفق معطيات تكوينها البنيوي، من (ثقافة، تخييل، أحلام، قدرات إدراك العالم)، وبالتالي تشكل رؤية الكاتب الإبداعية للعالم وآليات انعكاسه.

لقيت نظرية الانعكاس في الأدب هجوماً حاداً، لكنها في عملية المعرفة، تبقى من أهم النظريات التي اكتشفها العقل البشري، والعلاقة بين الواقع الموضوعي ببناه التحتية تبقى المادة الأولية المشكّلة لكل الأبنية الفوقية بما فيها الأدب.

عملية الانعكاس في الأدب لها قوانينها الخاصة، بسبب تدخّل الذات المبدعة، كحاضنة مما يبعد عملية الانعكاس عن الميكانيكية، والحكم على هذا التخلّق يتطلب كثيراً من الحذر والحيطة والدقة في إصدار الأحكام، بسبب تعقيد العملية الإبداعية، التي لا يمكن أن تتم إلا وفق أشكال محددة تشكل مع مضامينها كلاً جنينياً واحداً يولد في رحم الذات المبدعة.

من العبث الحديث في الأدب دون الوقوف مطولاً عند الذات المبدعة، وظروف تشكلها، وخصوصية هذا التشكل، فكل ذات إبداعية لها فرادتها وتميزها، مع الاعتراف باشتراكها مع الذوات الأخرى في كثير من المعطيات، كطبيعة العصر، والفكر المهيمن، والمنتوج الثقافي، والواقع الاجتماعي، والحالة المعرفية… وهنا لا بد من العودة إلى مفاهيم العام والخاص، والكل وأجزائه ومكوناته، في إدراك طبيعة الذات الإبداعية وبنيتها، كيف تتغاير وبمَ تتوافق مع ذوات الآخرين، فالمبالغة في إمكانات الذات المبدعة وتفردها، بعزلها عن مكوناتها التاريخية الاجتماعية، لا يقل خطورة عن تذويب هذه الذات ومحو خصائصها المحددة لها.

العدد 1195 - 23/04/2026