نظرة في إشراقات الحب عند أبطال روايات نجيب محفوظ
(كتبت الكثير من أعمالي تحت تأثير حالة حب، ليس من الضروري وأنا أعيش التجربة، لكن بعد مرورها، وأعتقد أن الأديب يبدع أفضل ما عنده وهو يحب) نجيب محفوظ يتذكر ـ بقلم جمال الغيطاني.
مع أن المسألة محض خيال، لكن لنتصور أننا حاولنا إعادة كتابة الروايات العربية حاذفين منها كل ما يتعلق بالحب ! ترى ماذا سيبقى منها؟ لا بد أننا سنضطر الى شطب روايات كاملة، الكلام السابق لا يعني أن الحب كان دائماً من العوامل التي خدمت الرواية، لكنه قد يكون دافعاً لكتابة روايات ضعيفة هدفها يقتصر إما على الإثارة أو استدرار دموع القراء. الأمر يختلف للغاية مع نجيب محفوظ، فعندما يخلق شخصياته يجعل الحب جزءاً من نسيجها، إذ يبدو معبراً عن خصوصيتها، مثله مثل ملامح الوجه ونبرة الصوت، وما إن يبدأ برسم المسار العاطفي لبطل من أبطاله حتى يصبح من السهل اكتشاف باقي سمات الشخصية، كما يتيح لنا إدراك سمات العصر، ففي رواية (بين القصرين) مثلاً لن نأمل من الحب إلا النظرات المختلسة من وراء النوافذ (اقترب الضابط من البيت رفع عينيه في حذر دون أن يرفع رأسه فلم يكن أحد يرفع رأسه في مصر وقتذاك) بينما في (القاهرة الجديدة) ومع انتشار الوعي والحركات التحررية، نرى أن علي طه الشاب الثوري عندما يحب فهو (يريد صادقاً أن يتحابا بقلبيهما وعقليهما، وان تكون شركة حياتهما تامة منسقة، وأن يجد فيها الحبيبة والزميلة والغد المحترم، إنه يحبها حباً يملك عليه قلبه ونفسه، ولكنه يرجو أن يجعل منها زوجاً غير الزوج التي تعرفها البيوت الشرقية).
وعلى العموم يمكن النظر الى الحب في روايات محفوظ باعتباره مرآة للبيئة التي يترعرع ضمنها، مثله مثل البنى الفوقية التي تفرزها المجتمعات عبر تطورها، لذا لا نتوقع من شاب يعيش في (زقاق المدق)ضمن ظروف حرب عالمية طحنت رحاها سكان الأحياء الفقيرة، أن يحب جارته حميدة بالطريقة التي أحب بها كمال عبد الجواد الشاب المثقف وابن الطبقة البرجوازية عايدة الفتاة الارستقراطية. ودون أن ننكر براعة الكاتب التي تجلت في كل صفحة من صفحات الثلاثية، إلا أن الأسلوب الذي صور به هذه العاطفة بكل ما تحمله من مثاليات ميزت جيلاً من شباب تلك الفترة، كان فريداً دون شك، بحيث يجعلك تشعر في نهاية (السكرية) بالأسى الغامض الذي يرافق نهاية قصة حب كبيرة قد تستغرق العمر كله (فما هذا الاضطراب؟ لعله الحنين الى عايدة لا باعتبارها المحبوبة التي كانت – فقد انتهى هذا الى غير رجعة – ولكن باعتبارها رمزاً للحب الذي كان كثيراً ما يستوحش غيبته الطويلة، مجرد رمز كالخربة المهجورة التي تثير ذكريات تاريخية جليلة) وإذا قلنا أن هذا النوع من الحب المثالي كان ميزة لجيل من الشباب، فالكاتب من أبناء ذلك الجيل،وقد عاش قصة حب شبيهة بقصة بطله كمال، وفي كتابه (نجيب محفوظ يتذكر) عرج جمال غيطاني على هذه النقطة في حياة الكاتب الكبير، مورداً نصاً من (المرايا) يكاد يكون قصة حب الشاب نجيب: (عرفت كيف يغيب الإنسان وهو حاضر، ويصحو وهو نائم، كيف يفنى في الوحدة وسط الزحام ويصادق الألم وينفذ الى جذور النباتات وموجات الضوء).
وكما ينمو الحب ويتضخم مثل شجرة بلح ، فهو أيضاً يقف متربصاً بالإنسان عند مفرق من مفترقات حياته، لينقض فجأة قالباً كل خططه، ومغيراً مسيرة عمره، كبطل (قلب الليل) الذي يبدأ حياته في قصر جده، كوريث لعائلة من علماء الدين وينتهي قاتلا:
– إنها راعية غنم
– بل إنه القدر
إنه القدر ذاته الذي أدى دوره يوماً في حياة والده وأدى الى طرده من القصر، وكم كان صادقاً تعبير مربيته حين تقول: إن المشكلات تبدأ في هذا البيت مع الحب. (إنها كانت انطلاقة ملائكية مثل أغنية الفجر، قدح الحب الشرارة فكشف ضوءها عن حلم يتجسد ويتوثب لتحطيم جدار القصر، والانطلاق متحدياً الجاه والقيود للتمرغ في تراب الأم الخالدة).
وفي لحظة مصيرية من حياته يسلم بطل (عصر الحب) بخطورة الدور الذي ستؤديه العاطفة الوليدة في رسم مستقبله: (أدرك بوجدان جديد أنه قضي عليه أن يحب بدرية الى الأبد، وتبدى له الحب كالحياة نفسها في جاذبيته واستبداده) ولأن الحب كالحياة حقاً، فقد حكم على (الحرافيش) أن تدور قلوبهم كالفراشات حول الجميلة (زهيرة) عاشقة نفسها وعاشقة القوة، وبامتيازات المال والسلطة والبلطجة يطمح أقوياء الحي بالوصول الى قلبها، فينتهي الجميع بين قاتل أو مقتول ومطارد أو منبوذ، وتلقى هي حتفها بطريقة وحشية على يد أحد عشاقها.
وإذا كانت بذرة الحب قادرة على النمو بشكل أو بآخر وسط أي بيئة فإن أجواء الهزيمة والانكسار لن توفر المناخ الملائم ليعيش هذا الحب، فمع كل الإيمان المتمثل في بداية (الحب تحت المطر) على لسان أحد أبطالها: الحب أهم شيء في الدنيا وكل ما عداه باطل، فإن هذه الرواية بالذات تشهد على أكبر هزيمة للحب، والأمل الذي وسم مجموعة الاصدقاء الشباب حين أشرق الحب على حياتهم،سرعان ما يخبو عقب نكسة حزيران، وبالتزامن بين هزيمة الوطن وهزائمهم الشخصية يصبح للحب نفسه طعم المأساة، والأمر نفسه يبدو أشد قسوة في (الكرنك) باعتبار أبطالها ضحايا مباشرين للهزيمة، فالعاشقان اللذان اعتقلا دون ذنب تفاجئهما أخبار الهزيمة، ويفاجئهما فيما بعد أن الحب الذي به نستغني عن الحكمة والبصيرة والكرامة قد تحول الى رماد.