المكتب السياسي للشيوعي السوري الموحد: «جنيف 2».. سباق بين التحضيرات والعراقيل
عقد المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد اجتماعه الدوري بتاريخ 3/11/2013 وناقش آخر المستجدات في الوضع السياسي، وتوصل الاجتماع إلى أن دائرة التفاؤل تتسع أكثر فأكثر بإمكانية عقد مؤتمر جنيف للسلام في سورية في أواخر الشهر الحالي، ولكن ذلك لا يعني أن هذا الموعد يمثل احتمالاً وحيداً، إذ تكثر التخمينات والتكهنات حول مواعيد أخرى محتملة، لكن الأهم في الموضوع ليس عقد المؤتمر خلال شهر أو أقل أو أكثر، فهذه المسألة أصبحت تحصيل حاصل، إنما الأهمية تكمن في أن الموافقة على عقد المؤتمر أصبحت مؤمّنة من الدول الكبرى الراعية كروسيا والولايات المتحدة، ما لم تتحول بعض العقبات البارزة الآن إلى حجر عثرة بوجه انعقاد المؤتمر، من حيث المبدأ. وأهم هذه العقبات البارزة حتى الآن هي عقبة تمثيل المعارضة ودعوة السعودية وإيران.
إن المعارضة السورية منقسمة ما بين مؤيد للمؤتمر ومعارض له، فالمعارضون يمثلون مصالح السعودية التي تعارض المؤتمر بشدة، لأنه لا يتضمن مغادرة الرئيس الأسد للحكم وإسقاط الدولة السورية، ولا يحقق الأهداف التي تبتغيها من وراء تزويد المتمردين بالسلاح والمال والمقاتلين، وهذا يعني سقوط المشروع السعودي لبسط نفوذه على دول الخليج العربي بكامله، والسعي لتحويل السعودية إلى دولة قائدة للركب العربي والإسلامي.
وهناك انقسام في آراء الرأي العام بين احتمالين، أولاً أن تستمر السعودية بعنادها وتواصل رفض الاشتراك في المؤتمر، وثانياً رأي يستند إلى مقدار التبعية المتجذرة داخل البنية العضوية للنظام السعودي للولايات المتحدة الأمريكية، بحيث لا يتمكن أي ملك سعودي من التصرف في القضايا الكبرى إلا بتوجيه أمريكي. إن الاختلافات بين الموقف السعودي والأمريكي سيمكن حلها كما نعتقد، خاصة أن السعودية لا تملك تأثيراً كبيراً في لبنان، كما أنها لم تتمكن من جر الأردن بشكل كامل لتحويله إلى مركز عمليات عسكرية ضد سورية، رغم وقوع بعض الحوادث في هذا الإطار، فضلاً عن التأزم الشديد في العلاقات السعودية العراقية، نتيجة الاستفزازات التي يوجهها حكام المملكة ضد العراق.
إن وصول الأزمة السورية إلى تخوم الحل السياسي عبر جنيف ،1 ووصول جنيف 2 إلى مراحل متقدمة، هو بحد ذاته محطة هامة، سيكون لها أبعاد هامة جداً على مستوى المنطقة، بل العالم أيضاً، فضلاً عن الأوضاع الداخلية العربية. ففي حال انعقاده، يعدّ جنيف 2 خطوة هامة لأنصار السلام في العالم، وتوجهاً سلمياً لحل المشاكل الدولية، ولجماً لدعاة الحرب والتطرف قبل أي اعتبار آخر. ومن المفيد التذكير بأن حزبنا الذي كان أحد المبادرين إلى طرح فكرة الحوار الوطني الذي انعقد في تموز ،2011 طالب أيضاً، ومازال يطالب، بالحل السياسي للأزمة. في الوقت الذي أدان فيه الإرهاب والإرهابيين ومن كانوا ومايزالون يمدونهم بالسلاح والمال والمقاتلين، كما أدان العنف المفرط والقصف العشوائي الذي طال الكثير من الأبنية السكنية، وشجب التهجير القسري الذي أضرّ بعشرات ألوف العائلات السورية من مناطقها وأحيائها، وطالب بحل المشكلات الإنسانية الناجمة عن هذا التهجير، كتقديم أماكن الإيواء والسلل الغذائية والعناية الطبية.
إن مؤتمر جنيف ،2 إذا عقد، سيأخذ على عاتقه قبل كل شيء، طرد الغزاة المرتزقة من أراضينا التي دنسوها وعاثوا فيها ذبحاً جاهلياً مجرماً، وتوقيف العمليات العسكرية تمهيداً لوقف العنف والعنف المتبادل، ومن ثم إفساح المجال أمام السوريين للتفاوض فيما بينهم حول القضايا التي تكرس قضيتي السلام والإصلاح في سورية.
لقد سمع الإبراهيمي في زيارته إلى سورية تأكيداً رسمياً لمشاركة سورية غير المشروطة في جنيف، كذلك التقى بوفود تمثل المعارضة الوطنية في الداخل، التي طالبت بضرورة أن يضم المؤتمر جميع أطياف المعارضة الداخلية. ومن دون الدخول في الكثير من التفاصيل، نورد الملاحظات التالية:
1- إن احتمال فشل المؤتمر، إن عقد، هو احتمال وارد، وقد تلعب الولايات المتحدة دور المحرض للسعودية ضد الحل السياسي، من أجل ابتزاز روسيا وسورية وإرغامهما على تقديم تنازلات إضافية، ويدخل في هذا الإطار تصريحات كيري بين الحين والآخر.
2- من المحتمل تأزيم الأوضاع الداخلية على يد الإرهابيين، لخلق صعوبات جديدة أمام عقد المؤتمر، لذلك فقد تكثر أعمال العنف والاغتيال والخطف وغيرها خلال الأيام القادمة.
3- بالمقابل، فإن التقدم العسكري الذي يحرزه الجيش العربي السوري في الجبهات الساخنة الآن، بمواجهة الإرهابيين والمجموعات المسلحة، يساعد على تداعي معنويات هؤلاء ويقوي من موقف سورية التفاوضي، ويسرع من الحل السياسي، خلافاً لما يعتقده البعض.
4- إن المواطنين السوريين إذ يستبشرون خيراً من تقدم الجيش العربي السوري، ومن بعض الإشارات الإيجابية حول مؤتمر جنيف، فإنهم يطالبون بالمقابل بأن تفي الدولة بوعودها، فيما يتعلق بممارسة دورها في حماية الشعب من تجار الحروب الذين مازالوا ينهبون الاقتصاد ويحوّلون أرباحهم إلى الخارج، وننبه إلى خطر تكون قيادات اقتصادية جديدة رسمية وخاصة، تحمل توجهات الفريق الاقتصادي السابق الليبرالية نفسها، وهي تهيئ نفسها لأن تأخذ الحصة الأكبر من مشاريع إعادة الإعمار.
5- إن المواطنين السوريين يشعرون أيضاً بأنه لم يتغير شيء كثير في عقلية الانفراد بالسلطة، ولم تطبق بعد أحكام الدستور فيما يتعلق بالحقوق الديمقراطية للمواطنين، ومايزال الكثير من المواطنين يودعون في السجن لمجرد الشبهات، ولا يخضعون للمحاكمة قبل مضي وقت طويل.. ولا يمكن تفسير ذلك من قبيل أنه من موجبات الظروف الاستثنائية الحالية التي تفترض بالعكس كسب ثقة الناس في المعركة الدائرة ضد الإرهاب.
6- إن العقلانية وبُعد النظر التي اتسمت بها سياسة الحزب منذ بدء الأزمة حتى الآن، يجب أن تكون عبرة للذين انجرفوا انجرافاً أعمى وراء مظاهر خادعة ارتدتها الأحداث، حتى بعد انزلاقها إلى العمل المسلح.. إن هذه الأحداث قد سلحت الرفاق بأمثلة حسية على صحة موقف الحزب منها، ولكن يجب الحوار مع الذين لم يتورطوا بالعمل المسلح ودعوتهم إلى الاستفادة من دروس الأزمة التي مرت وتمر بها البلاد.
7- إن أعضاء حزبنا، إذ يعتزون بالسياسة التي سار عليها حزبهم خلال الأزمة، يشعرون بأن القدرات المحدودة للحزب إنما تعيق تطوره ونشر سياسته على أوسع نطاق، وهذا ما يتطلب منا إبداعاً في التفكير وخلق أساليب جديدة للعمل غير تقليدية، بل تحمل فعلاً طابع التجديد العملي، وليس فقط الغرق في المناقشات والتنظير.. وهنا نؤكد موقف حزبنا الذي برز في (النور) حول أهمية توحيد جهود جميع القوى الوطنية واليسارية، وخاصة الشيوعيين، للدفاع عن بلادنا ولجم القوى التي تحضر لأجندات مريبة حول مستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.