أين القرار الأمريكي الحقيقي؟
منذ تحديد يوم 22 كانون الثاني القادم موعداً لانعقاد مؤتمر (جنيف 2) حول السلام في سورية، تفاءل كثيرون، وتريث آخرون، وبقي البعض على تشاؤمه. ومن جهتنا، فقد تفاءلنا منذ البداية بهذه الدعوة، لأن مجرد الخطو خطوة أولى باتجاهه هو إسقاط وهزيمة لمشروع الحل العسكري بشكليه، الخارجي والإرهابي الداخلي، ولأنه يمثل وضعاً للعربة على السكة التي ما إن تأخذ دفعة واحدة إلى الأمام، حتى تقلع وتسير سيراً طبيعياً نحو الهدف.
إن الكثير من البراهين يمكن إعطاؤها للدلالة على أن تحولاً جدياً حصل في أوساط عربية وإقليمية ودولية هامة، قد شجع على خلق مناخ التفاؤل هذا. وبالطبع فإن هذا التحول الجدي الحاصل، لم يكن ليعطي مفعوله لولا صلابة الجيش العربي السوري، وتماسك الدولة السورية، ومتانة تحالفاتها الخارجية، فقد ثبت للجميع، بالرغم من الكثير من السلبيات في الداخل، أن سورية ليست (جمهورية موز) يسهل ابتلاعها، وأن عراقة الحضارة السورية قد تركت بصماتها على بنيان هذه الدولة وشعبها، ما جعلها تصمد كل هذا الصمود أمام أعتى هجمة استعمارية.
ولقد نظرنا إلى هذا المؤتمر باعتباره فرصة لإحلال السلام بين السوريين، والبحث فيما بينهم عن القواسم المشتركة التي يحاول الإرهابيون الآن الإجهاز عليها وإحلال روح الكراهية والحقد محلها. وقد قلنا، مع جميع المحبين والمخلصين لسورية، إن التغيير السلمي نحو الديمقراطية والتعددية، ونحو العلمانية والعدالة الاجتماعية إنما هو أقصر الطرق للوصول إلى الهدف.
لكن أوساطاً كثيرة ماتزال تنظر إلى الموضوع نظرة مختلفة، فبالرغم من إبداء أمريكا موقفاً علنياً مؤيداً لعقد المؤتمر ولحل الأزمة السورية حلاً سياسياً، ومن أن هذا الموقف أخذت تردده أيضاً دول أوربية عديدة، فإن الواقع يناقضه إلى حد بعيد.
وسلفاً نقول: إننا لا يمكن أن نقتنع بفكرة أن أمريكا وأوربا لا تستطيعان التأثير على تركيا والمملكة السعودية وقطر والأردن، أو الضغط عليهم للتوقف عن مدّ المجموعات الإرهابية المسلحة بشكل مستمر، بالسلاح والمال والمقاتلين. ثم إذا انتقلنا إلى أرض الواقع، فهل يمكن لأحد أن يصدق أن هذا الهجوم الضاري الذي خططت وأعدت له غرفة العمليات المشتركة السعودية والتركية والأمريكية والأردنية، ويقال الإسرائيلية أيضاً، والتي كان ومايزال مركزها على الحدود السورية – الأردنية، وهو يقود نشاط نحو خمسة آلاف إرهابي مدرب على أيدي قيادات عسكرية أجنبية، قاموا بالهجوم على المواقع السورية منذ أيام قليلة، قرب مطار دمشق الدولي، لم يكن بضوء أخضر أمريكي، ولكنهم فشلوا في هذا الهجوم، ويا لسوء حظهم! ثم ماذا تعني هذه الحرب العمياء الخالية من كل حس وشرف، فتقذف كل يوم بمئات قذائف الهاون على المواقع المدنية البحتة، من مدارس وجامعات ودور العبادة ومراكز انطلاق الباصات وغيرها وغيرها؟ هل يمكن تبرئة هذه المجموعة الدولية من تهمة المشاركة في هذه الجرائم التي تحصل يومياً؟ إننا لا نتصور ذلك، بل بالعكس، فلو مارست أمريكا وأوربا ما يلزم من الضغوط على تركيا فقط، فأقفلت معابر التسلل الحدودية بين سورية وتركيا، لكان الوضع قد اختلف تماماً.
بل أكثر من ذلك، فقد تم تأجيل عقد مؤتمر (جنيف 2) إلى 22 كانون الثاني القادم، بناءً على طلب الولايات المتحدة لسببين، أولهما إتاحة المزيد من الفرص للحلف السعودي التركي، لتصعيد الأعمال الانتحارية الإجرامية في كل مكان من أرض سورية، وهو ما يعبرون عنه بفكرة تحسين أو تعديل ميزان القوى، أي تغييره لكي يصبح في صالح الإرهابيين، وهذا ما يتضمن اعترافاً صريحاً من الولايات المتحدة بأنها لم تحسم أمرها تماماً، ولم تسلّم بحق سورية في أن تعيش بأمان وسلام، وأن يلعب أطفالها في حدائقهم آمنين مطمئنين.
وهل تعتقد الإدارة الأمريكية أننا نجهل معنى (تحسين ميزان القوى) أو تغييره أو تعديله؟ وهل يعني شيئاً آخر غير استمرار الحرب على سورية، بهدف أمريكي وأدوات إرهابية سعودية وتركية وتسهيلات أردنية، مع نشاط في كل أنحاء العالم لاستجلاب ما تبقى من مرتزقة إلى (ساحة الجهاد) في سورية؟
إن هذا الأمر يعدّ أمراً جدياً للغاية، فنحن السوريين ، كشعب يتعرض في كل ساعة لخطر القذائف العمياء، سنتحفّظ على كل مؤتمر أو اجتماع أو جدول أعمال لا يتضمن، في رأس أولوياته، طرد المرتزقة الإرهابيين من الأراضي السورية.
وفي الوقت نفسه نحن حريصون جداً ألا يصاب بمكروه أحد من السوريين المدنيين الأبرياء، سواء أكان ضحية قصف عشوائي من أي مصدر كان، أو ضحية استخدامهم دروعاً بشرية من قبل الإرهابيين، والحرص نفسه ينصب أيضاً على ضبط عمل اللجان الشعبية وعدم إساءة استعمالها من قبل البعض في ارتكاب إساءات أو تجاوزات لا يمكن القبول بها.
والسبب الآخر الذي تم على أساسه تأجيل المؤتمر إلى 22 كانون الثاني هو إعطاء فرصة لمحاولة أمريكية جديدة، قد تكون محاولة يائسة أولا تكون، من أجل توحيد المعارضة السورية، التي من أجلها عقدت على أعلى المستويات اجتماعات أمريكية وأوربية، من أجل تجاوز تناقضات المعارضة، دون تحقيق أي نجاح، بل بالعكس، فالتناقضات تزداد، وفي كل يوم يعقد مؤتمر لهذا الغرض، وفي كل يوم ينهار تكوين أو مجلس من مجالسهم، ليحل محله مجلس جديد، وتجمّع جديد أكثر رداءة مما سبقه، وهم يبرزون تناقضاتهم على المكشوف ويكيلون الاتهامات، ويتبادلونها، أقلها تهمة الفساد والرشوة والارتزاق وتجميع الثروات وغيرها.
أما الحديث عن المعارضة الخارجية المسلحة ودورها في المؤتمر، فالجواب أن هؤلاء أنفسهم لا يعترفون بأي مؤتمر ولا بأي حل ولا بأية وساطة دولية، أي إن كل ما يدور حول المؤتمر هو أمر لا يعنيهم بشيء، وهم خارج كل هذا الإطار. إنهم لا يعترفون بشيء اسمه (حوار) مع من يصنفونهم (كفرة) و(ملحدين).
فإذا كانت قوة المعارضة السورية هي بجناحها المسلح الذي يتوزع إلى ما يقرب من 1200 تنظيم عسكري (جهادي)، وإذا كانت المعارضة غير المسلحة ليس لها وجود ملموس من دون التنظيمات المسلحة التي لن تحضر المؤتمر، أو لن تدعى -على الأغلب- لحضوره، إذن مع من يتم الحوار؟ فإذا انعقد الإجماع على عدم دعوة المعارضة المسلحة للمشاركة في المؤتمر، فسيكون لهذا الاجتماع مغزى إيجابي، وهو مؤشر جيد وخطوة نحو مزيد من التفاهم بين السوريين بمختلف اتجاهاتهم السلمية.
منذ بداية طرح الحل السياسي، كان الأمل يحدونا بأن في قلب المعارضة غير المسلحة من لا يقبل بتدمير بلاده، ولا الاستعانة بمرتزقة من العصر الحجري، كما أن الميل قائم لدى كثيرين إلى أن سورية تحتاج إلى تطوير وإصلاح وتغيير نحو الأفضل، ديمقراطياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وهم موجودون في كل مكان، فإذا نجح مؤتمر جنيف في تسهيل تقارب السوريين على الأسس ذاتها، فنكون بذلك أمام فرصة تاريخية لإعادة إعمار البلاد والانطلاق بها نحو آفاق جديدة.