إلياس سعد غالي… الباحث الدؤوب (1908-1996)
ما كنت أحسبني أقف قبل أن يرحل عام 1996 بشهر ونصف الشهر، لأرثي الصديق الياس سعد غالي، وكان يُفترض أن يكون بيننا الآن في هذا الصرح الثقافي الذي أحبه وأفتخر بالانتماء إليه، أعني اتحاد الكتّاب العرب الذي انتسب إليه قبل خمسة عشر عاماً من وفاته، وتفضل بنشر ثلاثة كتب له كانت من أفضل الدراسات الأدبية والأدب المقارن.
لم أكن أعرف إياس غالي حين كان موظفاً في وزارة العدل- أميناً لمكتبة الوزارة، وهو آخر عمل تسلمه فيها، ولكنني عرفته منذ مطلع السبعينيات بعد أن استقال من وظيفته، وتفرغ للكتابة والتأليف والترجمة.. لم تكن غايته من ترك الوظيفة أن يخلد إلى الراحة، بل أن يلج عالم الأدب من أبوابه الواسعة، وينصرف كلياً إلى البحث والتنقيب والدراسات الجادة حول المعري ودانتي وفيرجيل، ليصل إلى حقيقة هي أن دانتي لم يعرف أبا العلاء المعري، ولا تأثر في كوميدياه الإلهية برسالة الغفران، ولم يقف إلى جانبه في هذا الرأي إلا الدكتورة بنت الشاطئ والدكتور عيسى الفاعوري.
حين تعرفت إليه كان قد أصدر ثلاثة كتب مترجمة هي: (مسامرات الأموات) للوقيانوس السميساطي، عن اليونانية التي كان قد درسها في مدرسة الصلاحية بالقدس، ومسرحية (عنترة) لشكري غانم، و(دانتي المربي العبقري) للكاردينال شينتو عن الفرنسية، وقد فتحت اللغة الفرنسية التي كان يجيدها آفاقاً واسعة أمامه للاطلاع على الآداب الأجنبية.
لقد تصدى إلياس سعد غالي لآراء جميع من تناولوا موضوع تأثر دانتي بأبي العلاء ومنهم قسطاكي الحمصي، والدكتور عمر فروخ وغيرهما، وأكد في كتابه (رسالة الغفران والكوميديا الإلهية) الذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب عام 1988 أن فكرة الرحلة إلى الجحيم والنعيم وجدت قبل المعري بزمن بعيد، في رؤيا أشعيا والقديس بولس، كما وجدت عند هوميروس وأريستوفان في مسرحية (الضفادع)، وعند لوقيانوس في كتابه (مسامرات الأموات) وعند كثيرين غيرهم.
لقد ناقش كل من هؤلاء مناقشة علمية هادئة ورصينة، وأثبت بالأدلة والبراهين القاطعة أن دانتي لم يأخذ فكرة الكوميديا الإلهية عن غفران المعري، وصب كل لومه على المستشرق الإسباني أسين بلاثيوس الذي كان أول من أطلق هذه الشرارة، وتبعه آخرون من الناقلين الذين لم يطلعوا اطلاعاً كافياً على الكوميديا الإلهية ولا تعمقوا فيها، وكان بعضهم ينقل نقلاً عشوائياً عن آخرين دون تثّبت، ودون إعمال الروية والتفكير وتحكيم العقل.
هناك جانب آخر انصرف إليه الأديب والباحث إلياس غالي هو صحبته الطويلة لأبي العلاء المعري التي امتدت أكثر من نصف قرن، يقرأ لزومياته الصعبة، وينظر فيها، ويشرحها رغم وعورة ألفاظها وغرابة مفرداتها. وقد أصدر نتيجة لهذه الصحبة ثلاثة كتب عن المعري أسماها (حدائق) هي: (حديقة الحيوان في لزوميات أبي العلاء، وحديقة النسل، وحديقة الصداقة والصديق)، وهناك حدائق أخرى بقيت مخطوطة، آملين أن ترى النور بعد وفاته.
كذلك ألقى عن أبي العلاء أكثر من محاضرة، ونشر أكثر من بحث ليثبت قضايا مهمة في حياته وآرائه وأفكاره، منها رحلته إلى اللاذقية، وأنه لم يكن عدواً للمرأة بل صديقها الحميم، غايته أن يرتفع بها عن المستوى الذي آلت إليه في أيامه، كما ناقش أسباب تشاؤمه، وغاص في أعماقه إلى الصميم، وكان مع طه حسين في طليعة من أعطوا أبا العلاء الكثير من وقتهم وجهدهم، محاولاً أن يثبت أن أبا العلاء كان أول من دعا العالم كله إلى الرفق بالحيوان من خلال قوله (ارفق به):
ارفق به فشهدتُ أنك ظالمٌ
في ظالمين أباعد وأقاربِ
وكلنا يعلم أن أبا العلاء أطلق هذه العبارة منذ أكثر من ألف سنة.
ولم يقف الأستاذ غالي عند هذا الحد، بل راسل جمعية الرفق بالحيوان في لندن، وأرسل لها نسخة من كتاب (حديقة الحيوان)، كما راسل ملكة بريطانيا، رئيسة جمعية الرفق بالحيوان، ساعياً إلى تكريم أبي العلاء دولياً، ولكن مساعيه الحميدة لم تكلل بالنجاح، لأنه كان يحتاج إلى من يقف إلى جانبه، وحسبه أنه نبه وسعى وراسل ودعا ولفت الأنظار لتكريم أبي العلاء على الصعيد الدولي.
كل الذين عرفوا الأديب الباحث إلياس سعد غالي كانوا يعجبون بصبره ودأبه وطول أناته، ويدهشهم هذا الجلَد الفظيع على التعامل مع التراث العربي، ولاسيما تراث أبي العلاء الذي يحتاج فهمه- سواء في اللزوميات أو في رسالة الغفران- إلى كثير من الروية والصبر والتفتيش في المعاجم.
ما زرته مرة إلا وجدته عاكفاً على العمل، مكباً على التأليف، منقباً في بطون الكتب العربية والأجنبية عما يخدم أبحاثه التي منحها كل وقته وجهده وماله بقصد إظهار الحقيقة العلمية التي تجاهلها الآخرون.. ومن يطلع على مراجعة مصادره يلاحظ كثرة التعليقات على هوامشها واستخلاص أجود ما فيها، راداً كل عبارة اقتبسها أو سطر نقله إلى المكان الذي أخذه منه، ليتمكن القارئ من الرجوع إلى المصدر أو المرجع الذي نقل منه متى شاء، وهذا لعمري منتهى الدقة والأمانة في النقل.
لم يبدأ إلياس غالي الكتابة ولم يمارس التأليف إلا في منتصف العقد الخامس من عمره، ولم يكن ينوي أن يكون في عداد الكتاب والباحثين، ولو أعد نفسه لهذه المهمة في سن مبكرة، لكان أعطى أضعاف ما أعطى من كتب.. ولاشك أن الوظائف الإدارية التي مارسها في وزارة العدل، والتدريس في المدارس الخاصة بعد الانصراف من العمل، قد أخذت الكثير من وقته وجهده، ولذلك أراد أن يعوض عما فات، ويجتهد أكثر ليستيطع اللحاق بالركب، فأصدر في السنوات الثلاثين الأخيرة من حياته عشرة كتب، إضافة إلى عشرات المقالات والمحاضرات التي لاتزال في أدراجه.
***
كان همّه الوحيد أن يكتب ويؤلف ويترجم بغض النظر عن المال الذي لم يكترث به ولم يسعَ وراءه كالآخرين، وأن يترك ما يدل عليه بعد الموت، ويخلد ذكره.. وفعلاً استطاع أن يحقق ما كان يصبو إليه، فغدا أديباً مرموقاً، لا مجرد موظف في وزارة العدل، وواحداً من خيرة أدباء هذا الوطن.
كان أديباً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، ومثالاً للنبل والشرف والنزاهة ولطف المعشر، ودماثة الخلق وحسن المعاملة والكرم والأريحية والتواضع ومساعدة الآخرين والطيبة والأخلاق الرفيعة ودفء اللسان ومحبة الناس، وهي صفات قلّ أن تجتمع اليوم في إنسان.
ستظل أيها الصديق الراحل حياً في نفوسنا وضمائرنا، نسير على خطاك ونقتدي بك.. فقد كنت بالنسبة لنا المثال الذي يحتذى والمنارة التي تهدينا سواء السبيل.