التسول مسؤولية أسرية… أم مجتمعية؟

التّسول ظاهرة اجتماعية معروفة لدى كل الشّعوب وعبر كل الأزمان، تشتد وتنكمش في العديد من البلدان تبعاً لظروف معينة، او إجراءات معينة بحيث تتم السّيطرة عليها،كلما كانت هناك بيئة اجتماعية رافضة للابتزاز العاطفي، يقابلها نظام الدّولة الذّي يمتاز بقوانين تحترم الحقوق الإنسانية للمواطنين..

في زمن سابق كان التّسول حكراً على فئة معينة من المجتمع، أما اليوم وفي ظل التّخلخل الحاصل، فقد تفشت هذه الظّاهرة بالتوازي مع تفاقم حدّة البطالة نتيجة الحرب والتّهجير من المدن السّورية، نتيجة لامتداد النّزاع المسلح والحرب على مساحات كبيرة من بلدنا.

المؤسف أن ظاهرة التّسول لم تقتصر على أعداد من السّوريين داخل شوارع العاصمة،وغيرها من المدن في سورية، بل هذه الظّاهرة صارت سمة للسّوريين اللاجئين في البلدان المجاورة، نظراً لنقص مخصصات المساعدات الإنسانية في مخيمات اللجوء، وغياب برامج التّأهيل النّفسية والمجتمعية الجادة التي يستحقونها..

 والتّسول قبل أن يكون آفة اجتماعية خطيرة، فهو نمط من أنماط السّلوك الخاطئ وغير السوي، وبذلك يكون مؤداه مظهراً من مظاهر الانحلال الاجتماعي. فإذا نظرنا إلى أسباب التّسول، نجد أن مشكلة التّفكك الأسري من أهم مسببات هذه الظّاهرة، نتيجة العوامل المؤدية لانعكاس السّلوك الأناني على غالبية أفراد الأسرة وغياب وحدة الحال،إذ باستمرار اضطراب الحياة الآمنة المؤثرة على عدم تماسك الأسرة وانهيارها نتيجة للضّغوط النّفسية والحياتية المتواصلة، تزداد هذه الظّاهرة بروزاً..

هناك دراسات وتقارير لمنظمات حقوقية تؤكد أن الغالبية العظمى من المتسولين ليسوا بحاجة إلى المال، وأنهم يمتهنون التّسول ويعتبرونه مهنة لهم. ولكن الأمر المشين في هذه الظاهرةانتشار متسولين يعانون من أمراض نفسية او إعاقات مختلفة، بحيث يشكلون إرباكاً أخلاقياً واضحاً للناس، إضافة إلى قيامهم بسلوكيات غير سوية أمام المواطنين بما يخدش حياءهم ومشاعرهم..

إن الاعتبار المؤثرللسّلوكيات التي يقدم عليها المتسولون المعاقون على سبيل المثال، يكمن في أنهم يشكلون خطراً على المارة من النّاس، فهؤلاء الأشخاص يبدون غير مدركين لأبعاد سلوكهم هذا. وهنا لابد من طرح التّساؤل الجاد:

من المسؤول عن استمرار وجود هؤلاء المتسولين في الشّوارع، ولاسيما الخطيرين منهم على أنفسهم، وعلى نفسيّة الآخرين؟..

وبذلك يغدو التّسول مؤشراً على التّراجع الأخلاقي وتراجع قيم الأسرة، إذ باسم الفقر والحاجة والمرض يمتهن الكثير من أصحاب النّفوس الضّعيفة التّسول، والاحتيال على طيبة النّاس ومشاعرهم، حذلك أن مظهر المتسولذي الملابس الممزقة،والإبداعات في تمثيلهم للحركات التّعبيرية المؤثرة هدفها استجداء المال من خلال استثارة مشاعر الآخرين، وكسب التّعاطف كثيراً.  فمن خلال هذا التّأثير الذي يتدرب عليه من يمارسه، يقوم البعض باستغلال المتسولين الأطفال، وامتهان إنسانيتهم لجلب المال بطرق وأساليب رخيصة حتى لو كانوا والديهم. واقع الحال هذا ينعكس على الأمن الاجتماعي، نتيجةللأعداد غير القليلة في الشّوارع من هؤلاء المتسولين، ومن كل الأعمار ومن كلا الجنسين.. مما يستدعي التّعامل الجاد مع هذه المشكلة الاجتماعية الحساسة.

ولما كان للتّفكك الأسري علاقة باحتراف بعض النّساء لمهنة التّسول، فهذا السّلوك له أهداف مادية وله أهداف شخصيّة، وخطورة الأهداف الشّخصية، وخاصة على الفتيات نتيجة الفراغ العاطفي وانحسار قيم العائلة، هذا الأمر يستدعي التّفكير بإجراءات علاجية جادةللحدّ من هذه الظّاهرة من قبل المسؤولين، وبالتّعاون مع الاختصاصيين النّفسانيين والاجتماعيين، بهدف إدراج هؤلاء الأفراد في برامج تعديل سلوكية بعد ضبطهم من الشّارع، كإجراء وقائي للحدّ من الجنوح والانحراف كظاهرة سلبية على قيم المجتمعوأخلاقيات العمل..

إن خطورةهذه الظاهرة في بلادنا تزداد مؤخراً، لأنها باتت ظاهرة عامة، وليست مجرد حالات فردية، إذ بتنا نجد أسر بكاملها تتجه إلى هذا السّلوك بكل استسهال، وأخطر النتائج تسرب الأطفال من التّعليم بسبب الإغراء المادي الذي يستسهلون الحصول عليه مقابل تجنب بذل الجهد الذّهني في التّعلم، مما يعطيهم إشباعاً نزوياً يكف لديهم التّفكير الذّهني حول مستقبلهم وتقديرهم لذواتهم..

وتبقى مكافحة هذه الظّاهرة برسم الوزارات المعنية، ومؤسسات المجتمع المدني التي نأمل أن يأخذ عملها في بلادنا طريقه، بطرق محترمة وآمنة ومقدّرة، والأهم أن تكون أعمالهم ميسرة من قبل المسؤولين، لا أن يكونوا ملاحقين أمنياً ومستبعدين عن الاهتمام بالشّأن العام..

العدد 1140 - 22/01/2025