حنا مينه.. تمرّد الروح على وهن الجسد
قيل الكثير في أدب الروائي حنا مينه، وكتب عدد كبير من الباحثين والنقاد عن تجربته الحياتية الغنية، التي أمدّته بالخامة البكر، بينما أمدّها هو بالمعاناة والفكر النيّر الذي استمدّه من الماركسية ومن الماديتين الجدلية والتاريخية وغيرها من مصادر المعرفة. دعاه بعضهم مؤسس الرواية السورية الحديثة (بمعناها الفني)، ووصفه آخرون بشيخ الرواية العربية وأحد أعمدة الرواية العالمية.. كما أشار غير باحث إلى الملكة النقدية التي تجلّت في غير كتاب له.. قدّم فيها لمحات حول نظرية الرواية، وتحدث عن الواقعية فيها، وعن الواقعية الاشتراكية وعن معنى الالتزام، وعن ثقافة الروائي ومؤهلاته، وعن وظيفة الأدب (المتعة والفائدة)، كما يمكن الحديث مطولاً عن عمق انتمائه الحزبي، ودوره، كرجل سياسة وأدب، في تأسيس رابطة الكتّاب السوريين، وفي الحياة السياسية في سورية.
حنا مينه اليوم، بدخوله الثالثة والتسعين من عمره، مازال يتمتع بإرادة الشباب وحماسهم، رغم شيخوخة الجسد، وهو على فراش المرض، يطالع زوّاره (على قلّتهم) في عينيه روح التحدي والإصرار على مقاومة الوهن والضعف الإنساني، تشعر في نظرته الثقة بدبيب المستقبل الذي كافح حنا طيلة حياته ليكون أفضل لبني البشر، وبخاصة للمظلومين منهم، المحرومين والمقصيّين والفقراء المقاومين الصابرين الذين انحدر الكاتب من صفوفهم، وجسّد معاناتهم في إبداعهم، وبقي وفياً لهم في سلوكه اليومي وفي إنتاجه الأدبي.
في عيد ميلاده نرجو له أقل ما يمكن من آلام، ونعده بأكثر ما نستطيع من الوفاء والإخلاص لقيمه الوطنية والطبقية والإنسانية والجمالية. ومهابة التكرار، وخشية من الإعادة، وإحياء لمواقفه الشجاعة وتضحياته في الحياة وفي الإبداع، نعيد نشر مقطع من حوار أجراه معه د. فيصل دراج، نُشر في مجلة (الحرية)، أخذناه من كتاب (حوارات وأحاديث في الحياة والكتابة الروائية)، من إعداد الناقد محمد دكروب، منشورات دار الفكر الجديد عام ،1992 لما فيه من تكثيف لموقف حنا مينه كروائيّ، من المستقبل ومن الحياة، ومن صنّاعها المكافحين من أجل التحرر والتقدم والتغيير، ولأن هذا المقطع يعبر عن الواقع الذي نعيشه اليوم في المحنة السورية التي يعبرها إنسان وطننا في خضمّ معركته المصيرية التي ستحدد هويته المستقبلية.
أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين..
* لماذا ينزع حنا مينه إلى رسم الشخصية الروائية ذات الملامح الإيجابية (الشجاعة، الفحولة، الكرم، النبل)؟ وهل يعتقد أن هذه النماذج توجد فعلاً؟ وإن وجدت فأين نقيضها؟ ولماذا لا يأخذ سماته الروائية الكاملة؟ ألا يعتقد حنا أن هذا المنظور الأخلاقي يحمل من الأحلام بأكثر مما يسمح به الواقع المعاش فعلاً؟
** نعم، توجد هذه الشخصيات فعلاً، ولا أرسمها على أساس فحولتها، بل على أساس كفاحها، والمكافح لا يمكن أن يكون مخصياً. أما أين نقيض هذه الشخصيات، فهو في كل الأدب العربي، النائح، المتشائم، الذي يريد في تقدميته، أن يقدم الإنسان العربي مسحوقاً وكفى.. الإنسان العربي غير مسحوق، رغم عوامل السحق الكثيرة، وغير ضائع، ولا هو متخاذل، وهذه النماذج من (النفوس الشائهة) موجودة عند بعض المثقفين العرب وحدهم.. لقد شاخ مثقفونا قبل الأوان، ورغم إن إغراءات النفط وصحفها ومجلاتها ودور نشرها، قد اجتذبت قسماً غير قليل منهم، فباعوا أنفسهم للشيطان، لا في سبيل الشباب، ولا في سبيل اكتناه تمرده، أو فهم لعنته الأبدية، بل في سبيل ما هو أخسّ: المادّة، والمادة وحدها، هذه التي تؤمن للمثقف عيشاً برجوازياً مريحاً، مما أدى إلى انسلاخ أكثر المثقفين ذوي المنبت الطبقي الفقير عن طبقتهم، والركض وراء الجاه والمال، وهما ملك البورجوازية الحاكمة، فضلاً عن الملوك ذوي السلطة المطلقة.
لا أعمّم، ثمة مثقفون متمردون على كل هذه الإغراءات، نابذون، نافرون، لكن ما هو مهم في المثقف الذي يُعرض عن إغراء المال والجاه، ألا يتحسّر، حتى بينه وبين نفسه، وفي أسرته، وفي السرير مع زوجته، على هذه النعمة المتاحة والمرفوضة؟
في الخمسينيات، كانت رؤية الأدب التقدمي قاصرة، كانت نوايا الأدباء التقدميين، أكبر من رؤيتهم ومن موهبتهم ومن إمكاناتهم وأدواتهم في التعبير، لذلك كان الصراخ ضد الاستعمار، وكانت المباشرة في لعن الرأسمالية والبرجوازية، وكان التعسف والافتعال، والإسقاط الفاضح.. يومذاك كان الأديب التقدمي لا يرسم الإنسان العربي في مرحلة المد الثوري، ولا يرسمه حتى قبل هذا المد أو بعده، فهذا الإنسان الذي عجزت الإمبريالية كلها، والصهيونية بكل دهائها وإجرامها وحربتها إسرائيل، أن تدفن أو تصفّي قضيته العربية، أو تقضي على الكفاح الفلسطيني، هذا الإنسان ليس مسحوقاً ولا عاجزاً، ولا بائساً، وعلينا أن نفخر به، ونمجّد صموده وبطولته، ونشجعه عليهما، لا أن نستجلب الشفقة عليه، بتصويره مريضاً، مسلولاً، مقعداً، عاجزاً، نائحاً، إلى آخر هذه الأوصاف غير الواقعية وغير الصحيحة بالنسبة إليه، وكان دوري منذ الخمسينيات أن أفترق عن هذا الأدب المخصي، وأرصد الواقع الشعبي، وأبرز روحه الكفاحية وفرحه ونبله وقدرته على الصبر بكبرياء بالغة.
هذا الدور قمت به أنا وآخرون، وقمت به على نحو جيد بدءاً من (الشراع والعاصفة) و(الثلج يأتي من النافذة)، وكل الروايات التي تلت، وقد صورت أيضاً بعض الخسيسين، بعض المتواطئين، بعض الذين أجّروا أنفسهم للمستعمر وأذنابه. ولنذكر هنا (الثلج) (الشمس) (بقايا صور) وغيرها، لكن البطل الإيجابي هو الذي ظل سائداً، وهو الذي يسود شعبياً برغم كل ظروف الكبت والقهر، وكل عوامل التمزق والجزر في الوضع العربي.
أنا راض.. بل أنا فخور بهذا الإنجاز، ولا أتوكأ هنا، على (الأخلاق الفاضلة)، أو على الوعظ أو الإسقاط الذهني، ولا أصدر عن تفكير رغبي، بل آخذ عيّناتي من الواقع. إن (الأم) في رواية غوركي ليست كل نساء روسيا القصيرية، لكنه قدم نموذجاً للأم الطليعية الشجاعة والبطلة أيضاً، وعمله هذا كان إسهاماً كبيراً وما يزال، في حمل الناس على الاقتباس من جمرة تلك الأم المتوقدة.
لقد قلت وأكرر: أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين، ولكن المكافحين هؤلاء ليسوا أبطالاً جاهزين، ولا هم خارج دائرة شرطهم الإنساني والظرفي، فسعيد حزوم، في (الدقل) و(المرفأ البعيد) لم يكن مناضلاً مثل أبيه صالح حزوم في (حكاية بحار)، لأنه ابن زمن آخر، وشروط اجتماعية وكفاحية أخرى.
إن السمات الروائية الكاملة تتوفر في الملامح الإيجابية غير المطلقة، فزكريا المرسنلي في (الياطر) كان سلبياً، كان خارج كل قيم النبل والكفاح، لكنه تحول بفعل الشدة والغربة، وقبل كل شيء بفضل المرأة (شكيبة)، إلى إنسان. أما زخريادس الخمّار فقد ظل في حدود مهنته، وكان يؤجر أمه نفسها لزكريا المرسنلي. والحلاق في (الشمس) كان عدواً، كان أجيراً للقصور، وعيناً لها وهذا نموذج سيئ.. وابنة العم كانت دجاجة، بعكس امرأة القبو التي كانت أنثى نسر.. ومن هذا وغيره كثير، تجد النقائض، في الأبطال وفي الطباع، ولكن ما هو رئيسي أنني أرصد ما هو كفاحيّ، وهذا جيد، ولا أريد أكثر.
اختيار وتقديم د. عاطف البطرس