الزواج المدني… تغريد خارج السرب أم تحقيق للمواطنة..؟!

صرخت والدمعة في عينيها (لأني خسرت يلي بحبو أنا مع الزواج المدني.. حتى ما يتوجع حدا ويخسر يلي بحبن متلي، ولأنو أنا وأنت ما اخترنا ديننا بس بدنا نختار حياتنا وأحلامنا)، ولكن كيف السبيل إلى تطبيق الزواج المدني في مجتمع مازالت الكثير من قوانينه تمييزية بحق المرأة؟ وهل تكمن المشكلة فقط في القوانين أم أنَّ لها أبعاداً أكثر تعقيداً: ثقافياً ودينياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

فبين مؤيد للزواج المدني ورافض له، البعض يعتبره ضرورة ملحة لحل مشاكل مؤجلة، في حين ينظر له آخرون على أنه تغريد خارج السرب، فقد رأى الأستاذ محمود مصطفى الذي يعمل مديراً لأحد المواقع الإلكترونية أن المجتمع السوري مجتمع محافظ بطبيعته، مشيراً إلى تأثير الديانات على سلوك الناس وحياتهم، مؤكداً أن الموضوع يتقاطع مع مواضيع كثيرة مثارة حالياً منها التعصب الطائفي والمذهبي وقبول الآخر، إضافة إلى الكثير من المواضيع التي تتعلق بتفاصيل حياتية وممارسات يومية يجهلها الكثير من المواطنين كالإرث والحقوق والحضانة وغيرها.

ولفت مصطفى إلى أن إشكالية الزواج المدني تحتاج إلى جهد مستمر وعمل ممنهج للوصول إلى قوانين مدنية عادلة لا تمييزية على أساس المواطنة وحقوق الإنسان ولا تستند إلى أسس دينية أو طائفية، لافتاً إلى أنَّ الزواج كان في جميع العهود والعصور مؤسسة ترافقت دائماً مع مظاهر دينية واجتماعية متلازمة ورغم الاختلاف في الشعائر بين بلد وآخر وزمن وآخر إلا أن جوهر الزواج واحد، إنه المؤسسة التي تهب الحياة.

ورأت الإعلامية عنان تللو أن الزواج المدني لن يحل مشاكل المجتمع السوري كالتعصب والتحيّز..، ولكنها تؤيده لأنه يمكّن غير القادرين على اتباع الزواج التقليدي الشرعي داخل سورية بدلاً من الهروب للخارج، في ظل تساهل قانون العقوبات السوري فيما يتعلق بحقوق المرأة وجرائم الشرف.

وطالبت تللو بتثقيف المواطنين بماهية الزواج المدني، إذ يعتقد الكثيرون أنه لا يضمن حقوق الزوجة، وأنه آنيّ ويسهل إلغاء العقد فيه، مطالبة بتعديل بعض القوانين كي تتناسب مع المجتمعات الدينية ومع الشرائع الموجودة في سورية بشكل عام.

ترى الموظفة رنا قصرمللي أننا لم نصل بعد إلى درجة طرح الزواج المدني الوافد إلينا من الغرب الذي مرّ بمراحل عديدة ومختلفة وصل بعدها إلى ذلك الشكل من الزواج المدني الذي كان حصيلة التطور وليس قراراً، وبالرغم من ذلك نتج عنه حياة أسرية متفككة، ولذا إن لم يفصل الدين عن الدولة في بلادنا فلن نصل إلى مرحلة الزواج المدني، وحالياً لا أرى من الممكن فصل الدين عن الدولة لأننا يجب أن نمر بمراحل من الاجتهاد الفقهي والتطور الثقافي والاجتماعي لنصل إلى تلك القناعة.

وأكدت قصرمللي أنه في بلاد لا تحقق المساواة بين المرأة والرجل لن يكون الزواج المدني عادلاً بحق المرأة.

الطالب في كلية الحقوق فراس الأحمد رأى أنَّ الزواج المدني عقد ينظم العلاقة بين رجل وامرأة على أساس مبدأ (العقد شريعة المتعاقدين) في كل الأمور المتعلقة بشروط انعقاد الزواج والعلاقات الأسرية، فهو اتفاق بين طرفين يعرفان حقوقهما وواجباتهما وما يترتب عليهما من نتائج فيما يتعلق بالأطفال من حيث الإنجاب والولاية والقوامة والوصاية والحضانة، وفي الملكية وإدارة ممتلكات الأسرة  والتصرف بها، معتبراً أنَّ الزواج المدني صيغة إنسانية راقية للزواج لا تقوم على مبدأ الالتزام بدين معين وواجب الارتباط بفتاة أو شاب من الدين أو المذهب ذاته.

وبين الأحمد أنَّ قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 95 لعام 1953 مع تعديلاته المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية والقانون، يعتمد على التشريعات الدينية، بدءاً من الخطوبة ثم الزواج والولادة وكل ما يتعلّق بأمور الولادة والطلاق والوصية والمواريث ويستند في أحكامه إلى الشريعة الإسلامية ويستثنى من تطبيق أحكام هذا القانون بعض المسائل المتعلقة بالطوائف المسيحية واليهودية والطائفة الدرزية وفق ما نصت عليه المواد 306 و307 و308. وفي ظل تعدد الطوائف الموجودة في سورية فإن المعايير تختلف بين طائفة وطائفة تبعاً للقانون الديني الذي تخضع له، وهذا يقضي على مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عنها في الدستور السوري ووحدة القضاء السوري في قضايا الطلاق والحقوق والميراث وغيرها.

كما أشار إلى وجود آلاف الزيجات المدنية في سورية، يخضع السوريون فيها لقوانين دول أجنبية في ترتيب أمورهم، والأجدى أن يتم تنظيم قانون مدني ويكون الزواج المدني اختيارياً فيكون هناك حرية إعادة الزواج دينياً شرط أن يكون الزواج المدني حاصلاً وذلك لتثبيت الحقوق على أساس القانون المدني الذي يضمن العدالة لجميع أطرافه ويوحد المرجع القضائي ويراعي كل حالة بحالتها بعكس التشريعات الدينية التي تساوي بين الحالات التي تدرسها.

وتساءل المصور الضوئي طوني كوردجيان عن كيفية الحديث عن وحدة وطنية ونحن نحرم السوريين من حق التمتع بحريتهم في الاختيار، مؤكداً أنَّ الوحدة الوطنية لا يهزها زواج مدني ولكنه يهز سلطة رجال الدين التي بينت الأحداث فشلها، مطالباً بوضع الدين في مكانه ووضع الدولة في مكانها لأن التداخل الشديد بين الدين والدولة يخلق استقراراً مؤقتاً فقط لكن نتائجه كارثية على المدى البعيد وهو ما تجلى خلال الأزمة الراهنة، لذا يجب أن يتحقق صهر المواطنة، بغضّ النظر عن الدين إن كنا جادين في الوصول إلى الدولة المدنية العلمانية التي ننادي بها.

العدد 1195 - 23/04/2026