زواج تغتاله القيم والأعراف الدينية

على الرغم من فرحتها الكبيرة بوجود الإنسان الذي اختاره قلبها وعقلها ليكون مكملاً لها في هذه الحياة، إلا أن غصةً في قلبيهما لم يستطيعا إخفاءها في حفل زفافهما، الذي اقتصر على بعض الأصدقاء المقربين فقط… فأهلها وأهله رفضوا هذا الزواج، لكونهما مختلفين دينياً، على الرغم من قبول أهلها له كصديق لابنتهم.

بذل كلٌّ منهما جلَّ جهده ليقنع أهله بالفكرة، لكن الفشل كان لهما بالمرصاد، فقررا السفر إلى إحدى الدول، وإتمام مراسم عقد القران، حيث لا مكان فيه لمذهبٍ، أو طائفةٍ، أو دين…. وعادا ليعيشا هنا، ولكونها من الدين الذي تتخذه البلاد مرجعيةً لها، اضطر أن يذهب إلى المحكمة الشرعية ويتمم مراسم دخوله في هذا الدين، كي لا يكون الزواج باطلاً.. وليتمكن في الأيام القادمة من تسجيل نسب أبنائهما قانونياً.

مرت الأيام، وفي كل يوم يتجدد الأمل بأن تنتصر عاطفة الأمومة والأبوة عند أهليهما على الأفكار البالية، تحديداً بعد أن وهبتهما الحياة طفلةً جميلةً كالملاك….

بدأت تسعى بالوساطات التي من الممكن أن تؤثر على أهلها، تحديداً بعد أن تمكن هو من التواصل مع أهله، وتم قبولها أخيراً بينهم،  والاعتراف عاطفياً فقط بهذه الطفلة، مع أنهم يشعرونها دوماً بأنها غريبة عنهم، وأن هذه الطفلة ليست كباقي الأحفاد… إلا أن كل جهودها مع أهلها باءت بالفشل.

أقنعت نفسها بأنها تقطن في بلدٍ بعيدٍ جداً عن أهلها ولن تتمكن من رؤيتهم بسهولة، وتفرغت كلياً لبيتها وزوجها، حبيب قلبها وعقلها، ولابنتها التي قررت أن تربيها على طريقة تفكيرٍ مغايرةٍ للسائد، وتعلمها أن تتحمل مسؤولية قراراتها مهما حملت هذه القرارات في طياتها من الصعوبة…

وتتالت الأيام، وبدأت الطفلة تكبر، وتكبر أسئلتها معها، بدأت تبحث عن الجزء المفقود من عائلتها، بيت جدها لأمها، بدأ وعيها ينتبه للتفريق الواضح بينها وبين غيرها من أحفاد جدها لأبيها، حتى مع أصدقائها لمست ذاك التمييز، وبدأت تتساءل أكثر، إلا أن وعيها كبر فجأةً بما فيه الكفاية ليتلقى هذا النوع من الصدمات، فما خصها هي، وما علاقة الدين بالجد والجدة وباقي أفراد العائلة… وبالأصدقاء الذين اختارتهم بقناعةٍ لا علاقة لها بصلة القربى المفروضة عليها…

وكلما طرحت أسئلتها على أبويها، تبدأ الخلافات بينهما، فقد توطدت علاقة أبيها مجدداً بأهله. تذهب إلى غرفتها دونما إجاباتٍ واضحة، وتسترق السمع إلى المشاجرات الكلامية بين أبيها وأمها، والتي سمعت في إحداها، ندماً من أبيها لكونه خالف أهله ودينه ومجتمعه، في الوقت ذاته، كانت تلحظ الحسرة في عيون أمها على عمرٍ ضاع بكل بساطة، وأحلامٍ انهدمت أمام تحديات المجتمع والدين والواقع….لاسيما حين تراجع الزوج القهقرى وتنصل من قناعاتٍ حملها ذات يوم، محاولاً التمرد من خلالها على الواقع، آملاً بتغيير مفاهيم متخلفة، متجذرة للأسف في العقول والأذهان.

بدأت تدرك معنى أنها ثمرة زواج كان يحمل من التوافق بين أبويها الكثير مما جعله يرى النور، إلا أنه اصطدم بعد حين بالواقع المأساوي، فبات أقرب للانهيار… وفعلاً، لم يطل الوقت، حتى أعلن أبيها انفصاله عنها وعن أمها، وتركهما ليلحق بركب أهله ومجتمعه، بينما بقيت هي وأمها في مهب الريح، لا عائلة، ولا سند إلا من بعض الأصدقاء الذين لم يتركوهما وحدهما في مواجهة هذا الواقع السيئ. كثيراً ما كانت تستيقظ في منتصف الليل لتمسح الأسى عن روح أمها وهي تحصي سنوات عمرها، وتحصي عدد الأشخاص الذين خسرتهم مقابل قناعةٍ حملها وعيها، مصرةً على أن تدافع عن قرارها وعن قناعاتها، وما إن ترى ابنتها حتى تعيد الابتسامة إلى وجهها، وتقول لها… كوني أنت، ربما لم أنجح أنا بتمردي بإكمال حياتي الزوجية، إلا أن الحياة أنصفتني بك، استمري فلسوف تنجحي أنت فيما لم أنجح به أنا، وما دمنا أردنا أن نكون مختلفين عن أقراننا، فما علينا إلا أن نتحمل تبعات هذا الاختلاف، وما لم يستطع أبناء جيلنا أن يفعلوه، فحكماً سيقدر عليه أبناء جيلك أنت، فالإنسان لا تحدد قيمته بدينه أو طائفته أو عائلته، بل تكمن في شخصيته ووعيه وتشبثه بقناعاته ومحاولته تطبيقها، فيحوّلها واقعاً حقيقياً بدل من أن يتركها مجرد أفكارٍ يتباهى بها أمام الآخرين، فتنهزم بسهولةٍ أمام الواقع..

العدد 1195 - 23/04/2026