قبل أن تصبح خطراً حقيقياً يداهم مجتمعنا.. خيارات لتخفيف حدة البطالة المتزايدة
تطلق بين فترة وأخرى تقارير اقتصادية وتصريحات عن معدلات البطالة في سورية، ففي آخر تصريح لوزير العمل حسن حجازي، لفت إلى أن قوة العمل في سورية تصل إلى نحو 6 ملايين عامل، في حين يصل عدد العمال المسرحين من القطاع الخاص، بسبب الأزمة الحالية بموجب قانون العمل الذي تعمل الوزارة على تعديله إلى نحو 190 ألف عامل، في حين نجد أن تقريراً اقتصادياً صدر حزيران الماضي، بيّن أن عدد العاطلين عن العمل في سورية بلغ مع انتهاء الربع الأول من العام الحالي مليونان و965 ألف عاطل، وبذلك ارتفعت نسبة العاطلين عن العمل إلى 7,48%.
التفاوت في الأرقام، فيما يخص البطالة وغيرها، يدل على عدم وجود قاعدة بيانات موحدة يمكن الاعتماد عليها.. فجميع الأرقام ربما تكون تقديرية، إذ إن رقم 190 ألف عامل المسرحين من العمل في القطاع الخاص هم فقط الذين يعملون تحت غطاء قانون العمل رقم ،17 أي الذين يدخلون تحت مظلة التأمينات الاجتماعية، في حين نجد أن هناك أرقاماً مضاعفة أكثر بكثير من هذا الرقم تشمل قطاعات اقتصادية غير منظمة دخلت قائمة البطالة، مثل الحدادين والنجارين واللحامين ومربي الثروة الحيوانية ومزارعين وغيرهم.
الأرقام في حال وقفنا على حقيقتها صادمة جداً وتنذر بشيء لا يمكن التهاون معه أبداً، وخاصة أن البطالة يتمخض عنها الكثير من الأمراض الاجتماعية التي تستشري بسرعة في المجتمعات، مثل السرقة والنهب وغيرها من الجرائم، وهذا الأمر بالطبع يحمّل الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع الأهلي مسؤولية ضخمة في امتصاص الأعداد المتزايدة من البطالة، ذلك أن الحكومة بمفردها لا يمكن أن تعمل على توظيف المعدلات الضخمة من البطالة، ولكن حل مشكلات البطالة والتقليل منها لا يمكن أن يتم إلا بمبادرة حكومية، مع أهمية تعاون جميع الأطراف، من منطلق المسؤولية الاجتماعية حيال المجتمع السوري.
وفي حال نظرنا إلى القطاع الخاص، فقد ساهم في زيادة نسب البطالة، ولكن لا يمكن أن نشمل جميع الفعاليات في القطاع الخاص بهذا القول، فهناك بعض أصحاب العمل مازالوا يحتفظون بعمالهم إلى هذه اللحظة رغم جميع الصعوبات التي تواجههم في العمل وارتفاع أسعار جميع مستلزمات الإنتاج، وهناك أيضاً من القطاع الخاص من قام بتخفيض رواتب عماله إلى النصف إلا أنه لم يسرح أي عامل لديه، في حين نجد أن بعض أصحاب العمل قاموا بتسريح عمالهم حتى دون أن يمنحوهم تعويضاتهم أو مستحقاتهم.
وهنا لا بد من طرح سؤال هام: كيف يمكن أن نقلص معدلات البطالة حالياً وفي ظل الظروف الراهنة؟
إجراءات للحد من البطالة
الظروف الحالية التي تمر على سورية تضع الكثير من العراقيل أمام تنفيذ الإجراءات التي من شأنها تقليص معدلات البطالة، ولكن يمكن القول بأن هناك بعض الإجراءات الآنية والاستراتيجية التي يمكن التوجه نحوها للحد من زيادة معدلات البطالة على أقل تقدير أو امتصاص جزء معين منها، ومن هذه الآليات أن تشترط الحكومة على المنشآت الصناعية ذات الأنشطة المختلفة في المناطق الآمنة، أن تحتفظ بعمالتها الحالية، وأن توظف نسبة معينة من العمالة الجديدة بعد تدريبها وأن يتم تثبيتها بشكل دائم، شرط أن تقوم الحكومة بإعفاء المنشآت الصناعية التي تلتزم بذلك من الضرائب والرسوم لمدة عام أو عامين، وفي حال تعرضت المنشأة إلى التوقف، تُحتسب مدة تشغيل هؤلاء في المنشأة، وتعفى من الضرائب وفق هذه المدة.
ومن الآليات إعادة تأهيل المنشآت الصناعية المتضررة جزئياً، ليتسنى للعمال العودة إلى هذه المنشأة وإعادة إقلاع العمل فيها، وهذا بالطبع يحتاج إلى دعم حكومي للصناعي الذي تضررت منشأته، بحيث يعاد تأهيل المنشأة بالتعاون مع الجهات الحكومية، سواء عن طريق توفير المستلزمات والآلات المتضررة في المنشأة أو استيرادها، مقابل ضمانات معينة تفرضها الحكومة على الصناعي.
أيضاً يمكن امتصاص جزء بسيط من البطالة بتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة المنتشرة في الأرياف، والتي من شأنها أن تولد دخلاً للأسر الفقيرة والمتوسطة الدخل، وقد لاحظنا ذلك في إجراءات تقوم بها الحكومة متمثلة بوزارة الزراعة، بالتعاون مع منظمات تتبع للأمم المتحدة.
نقل المنشآت إلى المناطق الآمنة من شأنه أن يمتص أيضاً جزءاً من البطالة وإعادة العمال إلى أماكن عملهم السابقة، وبالطبع هذا الأمر يحتاج إلى تحرك حكومي لنقل المنشآت الإستراتيجية إلى المناطق الحرة في المحافظات الآمنة وتجهيز البنى التحتية اللازمة لإعادة إقلاعها من جديد.
كما يمكن إقامة مشاريع صغيرة في المناطق الآمنة ودعمها، لأن من شأن هذه المشاريع رغم صغرها أن تشغل نسباً معينة من العاطلين عن العمل وتحرك العجلة الإنتاجية التي نحتاج إليها حالياً.
وكانت هيئة التخطيط والتعاون الدولي قد طرحت سابقاً فكرة تقوم على تحويل مراكز الإيواء من مستهلكة إلى منتجة، ويمكن لهذه الفكرة في حال توفرت الدراسة المناسبة والآليات التنفيذية لها أن تساهم أيضاً في إيجاد فرص عمل للكثير من الأسر المهجرة، بحيث يمكن تحقيق ذلك بإقامة دورات تدريبية لبعض الكوادر في تلك المراكز وتأهيلهم للبدء في العمل في بعض المنشآت الصناعية العامة أو الخاصة، إما عن طريق عقود أو عن طريق التعيين، وبالطبع فإن المراكز غير مؤهلة لممارسة أي نشاط إنتاجي فيها إلا الصناعات اليدوية البسيطة، لأنها غير مجهزة لذلك من حيث طبيعة المكان، ونأمل من الهيئة إيجاد الطريقة المناسبة لتنفيذ هذه الفكرة.
ويمكن التخفيف أيضاً من تأثير البطالة بتوزيع سلل غذائية على الأسر المتعطلة عن العمل، وذلك وفق عدد الأسرة وحاجتها الشهرية من المواد الغذائية الأساسية، وذلك بعد إجراء دراسة دقيقة حول كل أسرة ووضعها المادي ومدى صحة تعطلها عن العمل من عدمه. كما يمكن للحكومة أن تقوم بصرف تعويض للعاطلين عن العمل على شكل أموال نقدية تدفع شهرياً، تكون كفيلة بتغطية جميع مستلزمات المعيشة كحد وسطي، وذلك بعد الحصول على ضمانات من المتعطل عن العمل مع ضمان حق الحكومة في ذلك، بحيث تستطيع أن تحصل على قيمة هذا التعويض لدى تأمين فرصة عمل للعاطل عن العمل، واقتطاع جزء من دخله مقابل التعويض الذي كان يأخذه، وبالطبع هذا الإجراء قد يكلف الحكومة الكثير من الأموال، ولكن لا ننسى أن من شأنه أن يخفف من آثار البطالة التي تشكل تهديداً حقيقياً للمجتمع، على مختلف الصعد، فالحكومة هي الرابحة أولاً وأخيراً من أي إجراء تتخذه حيال توظيف أو تأمين العاطلين عن العمل.
برنامج تشغيل الشباب الذي تطلقه الحكومة في كل عام استطاع أن يمتص جزءاً معيناً من البطالة، ويمكن للحكومة أن ترفع من أرقام التعيين في برنامج التشغيل الجديد بحيث تستوعب كوادر أكثر من الشباب والعاطلين عن العمل أيضاً.
بالنسبة للحرف فيمكن فتح مراكز تجمعات للحرفيين الذين فقدوا ورشاتهم بسبب الظروف الحالية، بحيث يتم افتتاح هذه التجمعات في مناطق صناعية بعيدة عن مراكز المدن وبالطبع في مناطق آمنة، وتسهيل ذلك على الحرفيين من حيث الإجراءات أو من حيث ما يترتب عليهم من مبالغ يدفعونها لقاء حصولهم على مساحة معينة في التجمع الحرفي.
نؤكد في النهاية أهمية أن يتحمل قطاع الأعمال مسؤوليته الاجتماعية حيال العمال والمحافظة عليهم قدر الإمكان وبشتى السبل، كما نؤكد أهمية معالجة البطالة، لأنها ظاهرة تغتال المجتمعات، فالفراغ يسبب أمراضاً اجتماعية خطيرة، ويجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لإيجاد ما يملؤه.
وكان وزير العمل حسن حجازي قال، مؤخراً: (إن المعنيين بمسألة إحصاء البطالة لا يمكنهم الوصول إلى كل المناطق في سورية لتحديد نسبة البطالة ولو بشكل تقريبي، بسب الظروف الأمنية التي تشهدها بعض المناطق).
ولفت إلى أن البطالة ستكون معدومة في حال انتهاء الأزمة، لأن مجال العمل في إعادة إعمار سورية سيكون قادراً على امتصاص قوة العمل بالكامل.
وذكر أمين الشؤون القانونية في الاتحاد العام لنقابات العمال فايز البرشة بداية تشرين الأول الماضي، أن 4- 5,4 ملايين مواطن يعملون خارج إطار الدولة، المسجل منهم في التأمينات أقل من مليون، أي أن أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون عامل غير مسجلين في التأمينات من أصل قوة العمل.
فيما أوضح رئيس الاتحاد المهني لنقابات عمال النفط والثروة المعدنية غسان السوطري، أن هناك في قطاع النفط أكثر من 60 ألف عامل، من يعمل منهم لا يتجاوز 6 آلاف عامل، أما الباقون فلا يستطيعون الوصول إلى أماكن عملهم.
يشار إلى أن أمين شؤون العمل في الاتحاد العام لنقابات العمال أحمد الحسن، قال: إن عدد المتضررين من العمال يصل إلى أكثر من 400- 500 ألف عامل، مبيناً أن القطاع غير المنظم في سورية يشمل نحو 40% من العمالة في القطاع الخاص، كما أشار إلى أنه بالرغم من توقف بعض منشآت القطاع العام، إلا أن العمال مازالوا يتقاضون أجورهم، وأيضاً لا توجد أرقام عن العمال الذين تركوا عملهم بمحض إرادتهم.