الثقافة والسياسة بين العجلة والامتلاك

في مقال منأخر كتبه لينين عام 1923 نشرته (البرافدا) عنوانه: من الأفضل أقل شرط أن يكون أحسن، نجد رؤية ناقدة معمقة لباحث ورجل دولة وسياسي مجرب، يعرض فيها حاجات الثقافي والسياسي في المؤسسات الحكومية والحزبية، وسبل توفيرها، وإزاحة عوائقها، ويركز على الثقافة وإعداد الكوادر المتخصصة- دون أن يخفي قلة عددها- ويشير إلى المحاذير المعيقة للنجاح في هذه المسألة المعقدة، ويبين الخطوات التنظيمية الضرورية المجربة.

حذر لينين في مقاله الطويل من العجلة المفرطة، ومن المزايدة في مضمار تطوير الثقافة، ودعا إلى السير بسرعة أقل، ومعرفة ما نملكه من كادرات متخصصة قادرة على تطوير ثقافة الفئات الطليعية العمالية والفلاحية، ونبه إلى ضعف الخطوات الموضوعة وعموميتها وغموضها، ولفت إلى بؤس الحمية والعجلة والميل إلى التعويض، لأنها بالغة الضرر.

وتوقف المقال المكثف لصاحب العقل المنفتح ورئيس أول دولة اشتراكية عند مسألتين محوريتين للارتقاء بالثقافة والسياسة وهما: امتلاك الثقافة، والتثبت من كل خطوة عملية، ورأى أن الامتلاك الحقيقي للثقافة والسياسة على وجه الضبط يكون بالمعرفة والتعلم والتحصيل، وأن أسلوب التثبت البطيء من تنفيذ الخطط يفضي إلى جعل الكوادر الثقافية والسياسية موضع احترام بصرف النظر عن مناصبهم ومواقعهم.

فالحماسة والتثقيف الذاتي والنوايا الطيبة، والاحتجاج بأقوال لمثقفين وفلاسفة وكتاب وعلماء اجتماع أمور جيدة، ولكنها لا تصنع ثقافة جديدة وعقلاً جمعياً، ولا تبني كوادر متخصصة في مضمار الثقافة، أو في ميدان الفعل السياسي المؤثر والجاذب، ولسنا بصدد التفصيل في الطرائق التي تطورت بها الثقافة البورجوازية، أو المراحل التي نشطت فيها الأحزاب السياسية في دول متقدمة عديدة، ولكننا لا نلحظ عندنا نجاحات ملموسة في ترجمة الأقوال والشعارات والخطط الثقافية وخطط تأهيل الكوادر إلى أفعال، ولا نلحظ تدعيماً لخبرات الكوادر، ولا إعادة تأهيلهم بطرائق عملية- على حد تعبير لينين، وغياب هذه الخطوات العملية هنا يضعف المؤسسات ويبلّد الأدمغة، ودون تغيير هذه الحال، ودون عمل أقل من حيث الكمية، شرط أن يكون أحسن من حيث النوعية، فإننا لن نتقدم صوب أي نجاح ثقافي أو سياسي ملموس.

وأرى أن إدراك ضعف الخطوات والخطط وغموضها في مضمار التثقيف والتأهيل، ومعرفة ما نملكه من كادرات واختصاصات، هما المدخل لتغيير الحال، والتوجه نحو ورشات تطوير الثقافة وإعداد الكادرات، وتحسين التنسيق والتعاون بين الهيئات والمؤسسات الثقافية والإعلامية والتربوية والسياسية يظهران جدية المؤسسة في تنفيذ خططها الثقافية أو السياسية ومراجعتها، وتصويب الأساليب المستخدمة.

ولدى العودة إلى القرارات المتخذة في المؤتمرات الثلاثة العامة السابقة للحزب الشيوعي السوري الموحد، المنعقدة خلال العقد الأول من القرن الحالي، وبعد تدقيق ما نفذ من هذه القرارات بخصوص الخطط الثقافية، أو حول مواكبة طوفان المعلومات، أو بشأن متابعة التغيرات المتسارعة في المشهدين الثقافي والسياسي على المستويين الإقليمي والعالمي، نلمح بؤس النتائج المحققة، وعمومية الأهداف وغموض الخطط، وغياب الأرقام الإحصائية، ويصعب بالتالي التثبت مما نفذ، وينتج عن ذلك بالطبع غياب التدقيق والتفتيش والمساءلة، ولا يتحقق أي نجاح في مضمار تأهيل الكادرات التنظيمية والتثقيفية والإعلامية والتقنية، ولا يجري تحديد المهمات الملموسة للاستفادة من الكادرات الاختصاصية تلبية لاحتياجات الحزب المزمنة والمستجدة، والأغرب من ذلك كله أن يجري التوجس من كل تجربة ناجحة بدلاً من تشجيعها وتعميمها ومكافأة كوادرها.

ولا ننكر الآثار السلبية للأزمة المركبة الشديدة التعقيد في سورية، والمتداخلة مع أزمات المنطقة، وما تركته  على الفئات الشعبية ومحدودي الدخل والفلاحين والعمال والكادحين عموماً من أعباء وضغوط وتشوش وآلام وإحباطات، وما أفرزته من أخطار وخسائر فادحة وأخطاء وتشوهات، وطبيعي أن تكون حصّة الحزب من هذه الآثار والأعباء هي الأكبر باعتباره مندغماً بالهم الوطني، ومنخرطاً في الأعمال العامة، ومدافعاً بثبات عن حقوق الفئات الشعبية المتضررة ومصالحها.

ومشهد التعثر في عمل الهيئات الحزبية في عدد من المحافظات، أو توقّفه في بعض الأماكن التي أصبحت خارج سلطة الدولة نتيجة دخول الإرهابيين إليها، لا يمنع من الانتقال إلى تنويع أساليب العمل الحزبي، والاستفادة من تراث الحزب الغني في الظروف الخطيرة البوليسية التي عرفتها بلادنا، ولدى الحزب خبرات قادرة على إبداع أساليب جديدة تتماشى مع الأوضاع المعقدة الحالية، وتأمين التواصل بين الهيئات، وتأمين ما هو أساسي وتعبوي وتثقيفي في الخطط، ولدى الحزب خبرة في التعاون مع حلفاء ونشطاء سياسيين واجتماعيين، دون تهيّب من حجم التباينات بين رؤية الحزب ورؤيتهم، عبر التركيز على الأهداف المشتركة، وتأجيل السجالات والتحفظات والملاحظات الاستفزازية.

فهل نجعل المرحلة القادمة لحزبنا ونشاطه فرصة لتحقيق نقلة في حياة الحزب وهيئاته ومستوياته وكوادره، تنظيمياً وثقافياً وسياسياً وميدانياً،؟ وهل ننتقل من حالة الاكتئاب والعجز والعدمية السياسية التي أصابت أطيافاً من الفئات الشعبية ، ومن النخب الثقافية والعلمية وبعض الكوادر الشيوعية، إلى إتقان أنشطة تعيد إلى الحزب حضوره، وتعزز احترام الكوادر النشيطة، واعتراف المجتمع المحلي بدورها.

وأرى أننا لم نستخدم إمكاناتنا وخبراتنا كلها بطرائق ناجحة، ولم ننجح بإعادة النظر في المسائل العملية، أو المسائل الثقافية في الحزب أو في المجتمع، ولم نحسن الاستفادة من التجارب التثقيفية الناجحة، ، ولم نخرج من الآليات الرتيبة أو الصياغات البيروقراطية التقليدية للخطط التي لا تمتّ بصلة إلى مفهوم التثقيف المعاصر، إذ لم ننجح في تطوير تجربة المنتديات والتجمعات الأدبية والفكرية، عبر شبكة بين منظمة العاصمة ومنظمات المحافظات، أو عبر تواصل مع المراكز الثقافية، ولم تنجز في البلاد شبكة ربط بين مكتباتنا والمكتبات الكبرى ومصادر المعلومات العالمية التي تخدم العمل الثقافي بحرفية وسرعة.

وهناك حاجة للارتقاء بثقافة الكوادر، عبر الانتقال من التسطيح الثقافي إلى التعمق، ومن الانتقائية البائسة والاختزال إلى الإحاطة والتخصص، ومن الاستهلاك الثقافي إلى التمثل والإنتاجية والإضافة المميزة، ومن المهم الانتقال من التلقائية والعشوائية الثقافية إلى المقاربة المنهجية الرصينة.

وما لم ننجز نقلة في مجال الارتقاء بالثقافة وتعميمها وتوطينها في عقول الكادرات والناس، وخصوصاً عقول العناصر الطليعية العمالية والفلاحية والشبابية من الجنسين، فإن أعمالنا بمجملها ستظل محكومة بأثقال الرتابة، وبإعادة إنتاج القوالب الجامدة، وبالمظهرية والمناسباتية المنفرة، ومثل هذه الأثقال المعيقة تدفع أي مجموعة سياسية إلى العزلة، وتبعدها عن الهدف النبيل وهو التحول إلى قوة حقيقية لها حضورها وتأثيرها الفاعل في حاضر الوطن ومستقبله.

العدد 1194 - 15/04/2026