مستقبل سورية في التعدد والانفتاح

لا تتغيّا هذه المقاربة تقديم أجوبة، وإنما هدفها إعادة النظر في حزمة الأسئلة المطروحة بقصد تجليها المعرفي، دون ادعاء بإمكانية وجود جواب أو أجوبة منجزة، فطبيعة الجواب تتحدد بالسؤال، وأسئلة المعرفة لا تحل مرة واحدة وإلى الأبد إنما هي متوالدة ومتجاوزة لذاتها، متجددة ومختلفة باختلاف مراحل التطور التاريخية وطبيعة القوى التي تطرحها، ومتغيرة بغنى حيثيات الواقع المحلي وتعقّدها في سياقه الإقليمي والدولي، أسئلة أجوبتها لا تعرف الثبات وتحيل دائماً إلى اللا نهائي ولعل هذا التغيير هو سر ضعفها ومصدر قوتها.

إننا ندخل عصراً تنهار فيه كل الثوابت والمعتقدات، فالعالم يمر بمرحلة من الشك، نحن لا نعرف إلى أين نمضي والمستقبل غير مضمون، ما هو مستقبل سورية في هذه اللوحة الضبابية للصيرورة العالمية؟ سؤال كبير وحيوي (مصيري) يهم كل فرد من أبنائها في لحمتهم وزركشتهم وتنوعهم الديني والاثني والثقافي والسياسي والاجتماعي والحضاري في وحدة تنهض على أساس حق الاختلاف والنوع، ثم التفاعل في بوتقة فولاذية متماسكة عصية على الاختراق لا ترغيباً ولا ترهيباً عنوانها المقاومة والانتماء.

المقاومة التي تحتاج إلى وعي وثقافة لا تقتصر على ما تراه العين وتسمع به الأذن من التلفاز، وانتشار موسيقا الراب التي أدت إلى تعطيل الجسد الإنساني وشلّ طاقاته الخلاقة وحواسه المتفاعلة، إذ ألغيت الحواس ولم يعد يفعل منها إلا السمع والبصر.

أهم ما يميز عالم اليوم هو طغيان التقانة، وسيادة الإعلام، ونشر ثقافة التبسيط، وهيمنة الأحادية، وغياب الاختلاف، وتشكيل وعي زائف، باستخدام مؤدلج للثقافة البصرية (الفضائيات والانترنيت) مما يؤدي إلى عملية تنميط عالمية، إذ نرى ونسمع الرؤية ذاتها عن الحياة والصيغ الصحفية نفسها، بالمفردات نفسها والأسلوب ذاته، لقد أصبحنا موحّدي الأذواق والمشاعر والأحاسيس والانفعالات، وحتى نشرات الأخبار بالترتيب والمحتوى نفسه، عين واحدة للعالم وأذن واحدة له، بمعنى آخر تكاد تنجح أجهزة الإعلام والتلقين في عملية محو الهوية وتغييب الاختلاف وتكوين النمط الواحد المعمم.

الهوية بين الاتجار والصيرورة

لعل سؤال الهوية من أهم أسئلة المستقبل، كما كان سؤال الماضي فهو سؤال الحاضر، فهل الهوية منجز فتنه متكوّن خارج الزمان والمكان (وقد انفتح المكان) وفعل التاريخ والجغرافيا وروح العصر، أم هي مشروع منفتح على احتمالات التشكل وحاجات الحاضر ومتطلبات المستقبل، هي الهوية قيد الإنجاز لا تعرف الحدود والاستقرار، الإجابة عن سؤال الهوية هي إحدى أهم معالم المستقبل وحجر الزاوية في بنائه.

الجواب عن سؤال الهوية (الأنا) يقتضي معرفة الآخر وتملّكه، وهي عملية معرفية وجودية معقدة تجمع بين عمليتين: الإدخال والإخراج، التملك والفقدان، التذويب والموضعة في فعل واحد، تملك الآخر، فقدان وخروج وانفتاح، هدم وبناء، تشييد وتقويض، الأنا يصبح موضوعاً للتفكير دون تحيزات مسبقة إيجاباً وسلباً، نفياً وإثباتاً، انفصالاً واتصالاً (النقد المزدوج). ماذا نأخذ، ماهي الأسباب؟ هذا الفعل وهذا المنطق يبعد الهوية عن التخشب والثبات وينفي عنها الانغلاق والتوحد، تتشكل وفقه من متعدد لا متناه في جذوره، يخرج من أسر الماضي إلى الحاضر الحي بكل مكوناته (الأصالة والمعاصرة) تحديث الأصيل، وتأصيل الحديث.

التعددية إذاً هي خاصية الهوية، والأصالة هي خلق شبكات من مقاومة التنميط، أي السعي إلى تأكيد الفروق وإثبات الاختلاف، الهوية صيانة وتشجيع وتنمية المختلف والمتعدد وتجاوز الواحد ومحاربة توثينه، بالقضاء على ثقافة التلقين التي تقوم على مصادرة العقل ونشر نظام الطاعة وتذويب الشخصية وتطويعها.

التعدد خاصية الهوية، والانتقال والترحال، سمة الذات، والانفتاح والتصدع سمة الوجود، الهوية حركة لتوكيد الفوارق والاختلاف، فالاختلاف مبدأ الوجود والتطابق هو استثناء مستحيل.

إذا تحررت العولمة (الكونية) من محتواها الإقصائي الإلغائي الاستبدادي كما تعمل على فرضه الولايات المتحدة، وتشكلت الهوية الكونية من مجموع تفاعل الهويات المحلية، تصبح الهوية (الكونية) محددة لكل الهويات، والانخراط أو عدم الانخراط ليس قرارات إرادياً، وإنما هو قدر تاريخي يرمي بإنسان اليوم في الكون ويسم الفكر بالكونية (فكّر عالمياً.. وتصرّف محلياً)! وهنا ليس ثمة صراع بين الهوية والكونية، الصراع بين ثقافتين في كل ثقافة مكونه صراع بين ثقافة قديمة بالية، ثقافة التقليد مستقبلها في ماضيها، تقصي وتدعو إلى التسيد والاستبداد وفرض الطاعة والتلقين، تشرعن التفوق وتبرر النهب، وثقافة (هوية) تتشكل على أساس الاختلاف وتترك للتفردات نصيبها في الوجود والتفاعل. ثقافة تقوم على وحدة المتنوع الإنساني قوامها التعدد على أساس الضم والجمع وليس القسمة والاختزال. هي ثقافة العقل واحترام خصوصية الذات وتفردها في حركتها وتقلباتها.

هذه الثقافة تحارب اختزال العناصر الملونة لها، وتسمح  لكل عنصر أن يترك للعناصر الأخرى نصيبه في التميز، ويتيح لكل عناصرها حرية الحركة، وهنا لا يتعارض التوحيد مع التعدد وإنما يقتضيه ويحتضنه.

علاقة الوحدة بالتعدد ليست كعلاقة الكل بأجزائه، أو المجموعة بمكوناته وإنما كعلاقة الهوية بالاختلاف…الهوية هنا ليست التطابق لأنها ترعى الاختلاف وتترك للخصوصيات حقها في الوجود والمساهمة الفعالة في تحديد هوية الكل، وبالتالي هوية أجزائه.

والسؤال هل يمكن مواجهة الخارج (التنميط والإقصاء والإلغاء) وغياب الاختلاف ومحو التمايز وتذويب الهوية إلا في داخل يقوم على تنوع واختلاف في ائتلاف ووحدة لا تلغي ولا تقصي، وإنما تجمع المتعدد دون إقامة وحدات أخرى إلى جانب الوحدة، فتضيف آراء إلى الرأي، هذه الوحدة تعداد إنها مفهوم حسابي عددي يحيل الوحدة إلى كثرة ولا يخلخل مفهوم الوحدة (التكرار).

مقاومة التسلط والهيمنة والإملاء الخارجي لابد لها من إطلاق المختلف إلى أقصى مداه والاستفادة الخلاقة من تفاعل مكوناته، مما يجعل اللحمة الوطنية قوة مقاومة لا تقهر.

التعددية والفوضى..هل التعددية موسومة بلعنة الفوضى والشغب؟!

تأمل الحياة والطبيعة والمجتمع يقول: الحياة تخلق من عشوائية المادة النظام وتحافظ عليه (هوية)، كما أنها تخلق من التنوع وحدة لها نظامها وأسسها، تنفي الفوضى، وحدة لا تقوم على أساس العلاقة بين القوي والضعيف، الصغير والكبير، الأقل والأكثر، وإنما تتحدد فيها مهمة الأقوى في جعل الأضعف قوياً والأقل أكثر، والأصغر كبيراً، بذلك تصبح الوحدة بين تنوع أقوياء وليست تآلفاً لضعفاء.

الهوية أساسها ثقافة التعدد وحق الاختلاف، تنشر روح التسامح والإخاء وحب الآخرين، وتسعى إلى تفهّم مطالبهم ومشاركتهم تجاربهم الخاصة والعامة، ولا يمكن لها أن تزدهر وتثمر إلا بعد التخلص من وهم امتلاك الحقيقة، فامتلاك الحقيقة وهم يقود إلى استبعاد الآخر.. الحقيقة يمكن الاقتراب منها دون الوصول، تقاربها عندما تتعدد زوايا النظر، علماً بأنها لا تعرف الاستقرار وهي زئبقية ما إن تقبض عليها حتى تفر منك كالسمكة في الماء، وحقيقة الحقائق هي تغيُّر الحقائق وانزياحها، فحقائق الأمس أباطيل اليوم، وحقائق اليوم ستكون ضلالات الغد، فالثابت الوحيد هو قانون المتغيرات.

تحتاج الهوية الوطنية المقاومة إلى خطاب جديد ينفي الأحادية ويتخطى اليقين والإطلاق، فلا ديمومة ولا نهاية، خطاب يبتعد عن محاولات الإقصاء والإلغاء وسياسة الاحتواء، عماده النسبية وهدفه التكامل وغايتة النظرة العمودية للتعددية وليس النظرة السطحية الأفقية لها.

لابد من وعي نقدي ينفذ إلى الباطن (الجواهر) مؤسس لوعي تفاعل الجواهر لا تضايف الأعراض، بدايته الجمع والتركيب بين العناصر المكونة ومنها، منتهاه إسقاط المتعارضات في حوار سلمي وفعل خلاق لاستنباط الخصائص الجوهرية وصهرها في بوتقة الوحدة المقاومة.

هذه الوحدة (الهوية) لا يمكن قهرها ولا التغلب عليها، وعلى المثقفين والمفكرين ورجالات السياسة أن يقدموا نموذجاً التعايش (التعددية) وأن يعيدوا الصلة بالجماهير ويتحسسوا مطالبها ويقوموا بحمل رسالتهم التنويرية التغييرية بالمساهمة في إعداد مشروع ثقافي نهضوي يتصدى لأحادية القطب ولسياسة التنميط الدولي (الهيمنة الأمريكية) ومحاربة سياسات الإملاء بإشهار التعددية التي تحيل الفوضى إلى نظام وتجابه الفوضى الخلاقة.

ترى ما هو مستقبل سورية؟..

 إنه في مقاومة التدخلات الخارجية والمحافظة على الهوية الوطنية القومية الإنسانية غير المنتهية والتي تسعى إلى تكاملها بالمقاومة، مستقبل سورية في انتصار المتعدد والمتنوع في الداخل والانصهار في بوتقة الوحدة الوطنية بكل مكوناتها وموزاييكها الديني والإثني والاجتماعي والثقافي والسياسي في بعده الحضاري الإنساني.

مستقبل سورية مرهون بفن إدارة التنوع وحسن التعامل مع المختلف، ونقل التراكمات الكمية إلى نوع جديد من الوحدة التي بواسطتها نواجه طغيان الخارج واستبداده وتصدع الداخل المحتمل، مواجهة تقوم على أساس المشاركة الفعالة في القرار وفي الخيارات المصيرية والمسائل الكبرى، مشاركة تحافظ على المصالح وتعزز حرية الرأي.

قدر سورية في المواجهة، وهو مستقبلها، إنه مقاومة الطغيان العالمي ومحاولات التذويب والاستلاب والمصادرة، محاربة الإرهاب الدولي والتطرف أياً كان شكله ومصدره.

مستقبل سورية في الدفاع عن حق الاختلاف والتمايز ومراعاة الخصوصية، ومجابهة لاهوت التسلط الدولي وربوبية السوق المؤدي إلى عالم بلا بشر وبشر دون مشروع وإنسان دون غائية إنسانية.

العدد 1194 - 15/04/2026