رمال الربع الخالي المتحركة
منذ شهور رشحت أخبار عن تغيرات مفصلية في نظام المملكة السعودية. وسرعان ما أغلقت الولايات المتحدة حنجرة بندر بن سلطان، وقطعت حبالها الصوتية. وغاب السفير السعودي فوق العادة في الولايات المتحدة في متاهات ناطحات السحاب. وهذا الـ (بندر) كما يعرف الجميع هو أحد (روَّاد) قادة الإرهاب ضد سورية.
ومنذ أيام فاحت رائحة فرامانات ملكية جديدة، أحكمت السيطرة على المملكة وباركها الملك عبدالله بتوزيع أبنائه على المؤسسات الأمنية والعسكرية، خاصة القرار الذي يقضي بإجراء تغييرات واسعة في إمارة الرياض ووزارة الدفاع. وصدرت هذه القرارات بحضور وزير الدفاع الأمريكي (تشاك هاغل) كشاهد من البيت البيض على أن المملكة تسير في طريق (التغيير الديمقراطي واحتكار السلطة لعائلة الملك عبدالله). وأشرفت إدارة الهندسة السياسية الأمريكية على ترتيب البيت الخليجي، بعد احتدام الخلافات بين السعودية وقطر والانقسام بين دول مجلس التعاون الخليجي. وكشفت (وثيقة الرياض) عن الشروط التي أملتها السعودية وطلبت من قطر تنفيذها بحذافيرها، بوقف إجراءات التجنيس من قبل قطر لشخصيات خليجية إسلامية معارضة لجأت إليها. ووقف دعم قطر لحركة الإخوان المسلمين التي وضعتها السعودية على لائحة الإرهاب.. ووقف الحملة الإعلامية ضد مصر ودول الخليج لصالح الإخوان. ولجم قناة الجزيرة وقطع لسانها، ومنعها من التعرض لمصر ودول الخليج.. وشروط أخرى أشد قساوة.
ولا تتحرك المملكة السعودية التابعة للولايات المتحدة باعتبارها (إحدى القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط) في أي اتجاه قبل أن تقدم طلباً للبيت الأبيض للسماح لها بذلك. ومن هنا، طلب السعوديون قبل فترة زمنية من السيد وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، تأكيد ثبات الولايات المتحدة القائم منذ إعلان الرئيس الأمريكي روزفلت، التزامه الاستراتيجي في العام 1963 بأن الدفاع عن السعودية يمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة. وطلبت السعودية على أساس هذه (الثقة)، الاطلاع على أي اتفاق إيراني – أمريكي، عند توقيعه بالحروف الأولى، قبل أن يتحول إلى اتفاق نهائي. وحاول السعوديون أيضاً الحصول من الإدارة الأمريكية على التزام واضح في ما يخص تعاملهم مع ظاهرة الإسلام السياسي الذي تمثله حركة الإخوان المسلمين.
الحقيقة التاريخية تقول، لا شيء يبقى جامداً في الحياة. والنظام السعودي يقع في هذه الدائرة، لكن تطوره إلى الأمام يسير بخطواتِ سلحفاة عرجاء. وهذه التغيرات في (مضافات العائلة) هي نتاج صراع قديم يسمع صوت صراخه بين حين وآخر، ويحدث غباراً حملته رياح الربع الخالي، لكنها سرعان ما تتوقف عن الحركة وتصطدم بأسوار عالية جداً.
وهناك أسباب للتغيير ترتكز على قواعد داخلية، وبضغط تفاعلي إقليمي، ومسارات دولية مختلفة الاتجاهات ومتنوعة الأهداف. فالمملكة في الداخل تشكل عائلة كبيرة من الأمراء والأحفاد تتنافر مصالحهم الذاتية ومصالحهم الشخصية إلى حدود الانفجار، لكنهم يكتمون أسرارهم ويعضون على ألسنتهم حفاظاً على مكاسبهم ومستقبلهم وثرواتهم.
وعلى المستوى الإقليمي جرت تغيرات مفصلية من أبرزها: الانقسام في مجلس التعاون الخليجي، والتبدلات في ميزان القوى في سورية، بعد انتصارات الجيش العربي السوري على الجماعات المسلحة، وإجراء المصالحات في عشرات المدن والقرى السورية كخطوة في طريق الحل السياسي. ودأب الشعب السوري على الحفاظ على النسيج الاجتماعي ومكوناته، ورفضه أن يكون حاضناً للمسلحين بعد تجربة نحو أربعين شهراً من القتل والتدمير. وفشل سياسة التحالفات الأمريكية الأوربية الخليجية التركية، وخوف هذه الدول من انتقال الإرهاب إلى مدنها وساحاتها.. وسقوط أوهام جامعة الدول العربية عربياً ودولياً. والبدء بتنفيذ استحقاقات المرحلة وإجراء انتخابات رئاسية، ورسم خريطة طريق للمرحلة الانتقالية في سورية، وبحث مستقبلها المبني على قواعد التعددية والعلمانية والديمقراطية.. كل هذه الأمور مجتمعة شكلت الدافع لإجراء بعض التغيرات في العائلة المالكة وحصرها في أبناء الملك عبدالله. وتندرج قرارات الملك السعودي، كما أشارت بعض المصادر، في جانب منها في سياق إعادة ترتيب البيت الداخلي المضطرب خصوصاً في ما يتعلق بأبنائه من جهة، وفي جوانب أخرى تشكل مفاجآت سعودية مدوية، خصوصاً على الصعيد العسكري من خلال التعديلات في رئاسة الأركان وقيادة القوات الجوية والبحرية من جهة ثانية.
وجاءت المفاجأة الكبيرة قبل أيام، تصريح وزير الخارجية سعود الفيصل، الذي يحمل دلالات سياسية هامة، بالانفتاح على إيران وطلب الحوار مع قادتها.