«الاستحقاق الوطني وسورية المستقبل» في ندوة فكرية سياسية

نمر: لا تنمية ولا تقدم دون الدولة.. ولا نجاح للدولة دون ديمقراطية.. ولا ديمقراطية دون وطنية

أقام مكتب الإعداد والثقافة والإعلام القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي ندوة فكرية سياسية بعنوان (الاستحقاق الوطني وسورية المستقبل)، وذلك في مكتبة الأسد بدمشق أيام 25-26-27 أيار 2014 وقد ركز الحضور على الهجمة الكبيرة التي تتعرض لها سورية، وأشادوا بتماسك الشعب السوري، وعرضوا رؤاهم من الاستحقاق الوطني القادم وتصورات كل منهم لمستقبل سورية المنشود.

ففي اليوم الأول من الندوة التي حملت عنوان (مقومات الصمود واستهداف الوطن) قدم عضو القيادة القطرية لحزب البعث رئيس مكتب الإعداد والثقافة والإعلام القطري الدكتور خلف المفتاح مداخلة بعنوان (القادة الوطنيون في دائرة الاستهداف) بين فيها أن القادة الوطنيين هم في دائرة الاستهداف عبر التاريخ، لأن مبدأ السياسة الأمريكية الاستعمارية يقوم على استهداف الرموز الوطنية التي لا تتفق وسياستها الرامية للسيطرة على العالم، وذلك بأساليب مختلفة من انقلابات عسكرية، واغتيالات سياسية، وحصار سياسي واقتصادي، إضافة إلى الفتن والحروب العسكرية، والتدخل العسكري المباشر وغير المباشر، وليس أخيراً الاستهداف عبر القوة الناعمة باستخدام التقنيات الحديثة.

وأكد الرفيق المفتاح أن صمود الشعب السوري والتفافه حول قيادته وجيشه أفشل جميع تلك الأساليب والمخططات، وكان آخرها الانتصار في نيويورك عبر الأصدقاء بإسقاط المشروع الفرنسي في مجلس الأمن عن طريق الفيتو الروسي الصيني الرابع.

وقدم الرفيق حنين نمر، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد مداخلة في الندوة حول (الهوية الوطنية الديمقراطية)، بين فيها مقومات الهوية الوطنية وصفاتها وشروط تحقيقها..

مؤكداً ضرورة التطرق إلى المسألتين الوطنية والديمقراطية كل على حدة أولاً، ثم الدخول في مسألة التفاعل  والرابطة العضوية التي تجمع بينهما، وتشكلان في نهاية الأمر كلاً موحداً يخدم قضية بناء الوطن الحر السيّد ، والمواطن الحر السعيد.

فالمسألة الوطنية هنا هي مسألة وجود، إذ لا يمكن تصور معالجة أي قضية اقتصادية أو اجتماعية أو خدمية إذا كان البلد محتلاً من قبل الأجنبي الذي يمتص ثروة البلد ، بل لعل هذا الدور هو الدور الوحيد الذي يلعبه الاحتلال أي احتلال، وأي حديث عن احتلال (ديمقراطي) أو (حضاري) أو ماشابه ذلك فهو ترهات وديماغوجية لإخفاء الوجه الحقيقي للإمبريالية والاستعمار.

ولاحظ الرفيق نمر أنه رغم موجة الاستقلال التي عمت بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، إثر الحرب  العالمية الثانية، بفضل نضال شعوبها وبمساعدة الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الأخرى، فإن المسألة الوطنية في هذه  البلدان لم تحلّ بعد، ومازالت سمات مرحلة التحرر الوطني تغلب على باقي سمات المرحلة. ولنأخذ حركة التحرر الوطني العربية مثالاً:

1- هناك احتلال استيطاني توسعي سرطاني  إسرائيلي لفلسطين العربية.

2- هناك احتلال للجولان العربي السوري ولقسم من الأراضي اللبنانية.

3- هناك تمزيق للدول التي نشأت بموجب سايكس بيكو ويراد الآن بعد نحو 90 عاماً أن تتمزق وتقسّم من جديد.

4- القواعد العسكرية الأمريكية تنتشر في عدة دول عربية وتحمي عملية نهب الثروة الوطنية بأدوات مشيخية تزاوج في ظلها الاحتلال العسكري و الاحتلال الاقتصادي.

  لذلك كان من الطبيعي أن تتشعب أهداف قوى حركة التحرر  الوطني العربي، وأن تناضل على جبهات عديدة.

وأشار الرفيق نمر إلى حملات التضليل التي تروج هذه الأيام لأفكار خطيرة وسامة تدعو إلى التخلي عن مفهوم السيادة طنية واعتباره مصطلحاً خشبياً، وألا مكان له في عالم اليوم، فالأسواق قد فُتحت فيما بينها وتحول العالم إلى سوق واحدة، وبالتالي يُراد للدول الناشئة أن تعتمد على الاستيراد من الخارج وأن تتحرر تجارتها الخارجية من أي قيد، بصرف النظر عن الأضرار التي تلحق بصناعتها الوطنية الناشئة. من هنا تأتي خطورة الطروحات التي وضعت على بساط البحث في بلدنا منذ أكثر من عقد من السنين، والتي تدعو إلى إضعاف دور الدولة التدخلي والرعائي الذي يشكل أحد مقومات الصمود الوطني، ويعبر عن عمق الاندماج مابين المسألتين الوطنية، والاجتماعية.

لقد كان وما زال يلقى على عاتق الانظمة الوطنية التي تحررت من الاستعمار المباشر، مهمة التصدي لبناء الدول على أسس عصرية وعادلة وهذه المهمة هي أم المهمات، إذ بعد التحرر الوطني السياسي والعسكري يأتي التحرر الاقتصادي الذي تكون أداته الفاعلة هي الدولة الوطنية، فهي التي تشرف على تكوين الموارد، وعلى استثمارها بالوجه الأفضل، وعلى توزيع العائدات على المجتمع بشكل عادل.

ويكتسب هذا التركيز أهمية كبرى خاصة في المراحل الأولى التي تعقب الاستقلال، وفي حالات الأزمة والصعوبات وفي المنعطفات.

إن تطوير القوى المنتجة يشكل جوهر المشكلة في العالم الثالث. فالبلدان المستقلة حديثاً، يغلب على تركيبها السكاني والاجتماعي الطابع العشائري أو القبلي، وتبرز كثيراً السمات المذهبية والطائفية ودور الفرد والجيش وغيرها من سمات ما قبل المرحلة الإقطاعية وما قبل الرأسمالية.

وهذا التركيب المجتمعي يشكل عقبة كبيرة أمام تقدم القوى المنتجة الذي يحتاج إلى التمويل أولاً، وإلى حسن استثمار الموارد ثانياً.

ومادام تأمين هذه الموارد غير ممكن لدى القطاع الخاص الضعيف والتابع،  فيكون تأمين هذه المهمة عن طريق الدولة هو الخيار الرئيسي أمامها، ولكن أية دولة؟! الدولة القادرة، الدولة التي تتخلص من الترسّبات القبلية والعشائرية والطائفية والمذهبية، وبمقدار ابتعادها عن هذه الترسبات،  تكون قادرة على حشد الموارد الداخلية وعلى حسن استثمارها لصالح أكثرية الشعب.

وهذه المهمة ليست مهمة النخبة السياسية الحاكمة في أي بلد فحسب، بل هي مهمة الأكثرية الشعبية التي يجب استنهاض قواها وزجّها في معركة البناء الداخلي، وخلق وعي جماعي متقدم يستطيع أن يصهر الجماهير الواسعة في بوتقته، وإن الطريق إلى ذلك هو ضمان حق المواطنة للجميع، أي تحديد واجبات كل مواطن وحقوقه، الذي هو ما نسميه بالديمقراطية.

ولفت الرفيق نمر إلى أهمية وجود نموذج ديمقراطي مناسب لكل بلد، مشيراً إلى أن العالم عرف نموذجين من الديمقراطية. النموذج الغربي الذي يعكس الصراع الطبقي الواضح المعالم، والذي اتخذ شكلاً يكرس هيمنة الطبقات المالكة على الحكم ويضمن استمراريتها، مع وجود مظاهر ديمقراطية مثل حرية الأحزاب وصناديق الاقتراع  وغيرها من المكاسب الديمقراطية ممن تمكنت القوى الشعبية من الحصول عليها بنضالاتها التي أصبحت مكسباً تاريخياً، أما النموذج الآخر فهو نموذج الديمقراطية الشعبية الذي أخذت به الدول الاشتراكية السابقة والذي حقق لها إنجازات تاريخية في مرحلة من المراحل، ولكن عدم تطور صيغة الحكم في هذه البلدان وبقائها في حال الجمود قد أضعف من مقاومتها للأعداء والمؤامرات عليها، وأدى الأمر إلى ما أدى إليه.

وعلى أرض الواقع لا يوجد في العالم صيغة أو نموذج موحد للديمقراطية، وعلى كل حزب أو حاكم أو فئة حاكمة أو خارج الحكم أن تستنبط شكل الحكم الذي يتلاءم مع مصالح أكثرية الشعب ورغباته، ويمكن الاستئناس بتجارب الشعوب الأخرى بعيداً عن الاقتباس، والتقليد.

لقد أبدى حزبنا رأيه في هذه المسألة قائلاً إن صيغة الحكم التي كانت سائدة قبيل الدستور الجديد، لم تعد صيغة مناسبة، ويحتاج الأمر إلى صيغة سياسية جديدة تقوم على التعددية الحزبية وعلى احترام الرأي والرأي الآخر، وعلى ضمان حق المواطنين في حرية التعبير والتظاهر السلمي، ووقف الاعتقال الكيفي وتطبيق أحكام الدستور في كل الأحوال. إن الانفراد بالسلطة لم يعد يتناسب مع مصلحة التطور السياسي والاجتماعي للبلاد. ويجب أن تتوسع دائرة اتخاذ القرار، كأن تتطور الجبهة الوطنية التقدمية وتتوسع، وأن تكون مساهمتها واضحة في رسم سياسات البلاد، وكذلك توسيع صلاحيات مجلس الشعب والمنظمات الشعبية، وفصل السلطات، كل ذلك يشكل ملامح نموذج سوري للديمقراطية يتناسب مع أوضاع البلاد، ويخلق المناخ لوعي جمعي، وطني تقدمي وديمقراطي.

وختم الرفيق نمر حديثه مشدداً على أن الديمقراطية ليست قوانين فقط، على أهميتها وضرورتها، بل هي ثقافة ومناخ يتيح لكل مواطن أن يمارس حقه في التعبير والنشاط البنّاء بعيداً عن الخوف.

وفي الواقع، فقد صدرت تشريعات كثيرة في الأعوام الثلاثة الأخيرة تضع أسساً متقدمة للديمقراطية، ويحتاج الأمر إلى تطبيقها نصاً وروحاً كما يشكل الاستحقاق الرئاسي بعد أيام خطوة إيجابية من الخطوات التي يطمح شعبنا إلى تنفيذها لاستكمال ما نص عليه الدستور من حيث الانتقال نحو المجتمع الديمقراطي التعددي.

إن تعزيز الديمقراطية في بلدنا يشكل مهمة وطنية في وقت تتعرض فيه سورية إلى أشد أنواع الجرائم والمؤامرات من قبل الدول الامبريالية الأمريكية والأوربية ومعها تركيا والسعودية وقطر وأخيراً إسرائيل. وإن استنهاض قوى الشعب وإزالة الوعي المزيف الذي ضخّه التكفيريون والإرهابيون في أذهان فئة من الشباب، والتوجه نحو نشر الوعي العلماني، يشكل أحد مقومات التصدي للعدوان الواقع على سورية ومعالجة نتائجه وتداعياته.

فلتكن البوصلة التي نهتدي بها، هي التي تقوم على تحقيق الأهداف الثلاثة: الوطنية والتقدمية والديمقراطية على قاعدة:

لاتنمية ولا تقدم من دون الدولة، ولا نجاح للدولة من دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية من دون وطنية.

المالكي: بين الحق والواجب

ولفت المحامي إبراهيم المالكي، عضو لجنة شؤون الأحزاب، إلى مراحل تطور مفهوم الديمقراطية عبر التاريخ ودور الشرائع والديانات السماوية في توطيد ثقافة الديمقراطية، ولا سيما الشريعة الإسلامية التي أسست المبادئ التي تقوم عليها حقوق الإنسان وأبرزها الكرامة والحرية والتكافل الاجتماعي والمساواة.

وبين المالكي في مداخلته حول (الصوت الانتخابي بين الحق والواجب) أن الانتخابات ركيزة أساسية من ركائز الديمقراطية، والانتخاب هو حق تضمنه المبادئ الإنسانية والدينية والقانونية وهو واجب، لأنه يلزم المواطن باختيار قادته والطريق الذي يرسم له مستقبله، لافتاً إلى أن  سورية لأول مرة في تاريخها القريب أو البعيد تنتخب رئيساً، وأكد أن الانتخابات التعددية اليوم محطة سياسية هامة من تاريخ البلاد وفق الدستور الجديد وقانون الانتخابات، وأن الدستور الجديد كفل حق الانتخاب وإجراء الانتخابات بحرية وشفافية.

وحمل اليوم الثاني من الندوة عنوان (المؤسسات الوطنية- الدور الريادي) وفيه قدم وزير الإعلام عمران الزعبي مداخلة بعنوان (الإعلام الوطني.. رسالة وموقف)، تلته مداخلة للمحلل السياسي اللواء سليم حربا حول (الجيش العربي السوري- الدور الريادي في حماية الوطن)، كما قدم كل من الدكتور محمد عبد الستار السيد والأب إلياس زحلاوي مداخلة فيه (المؤسسات التربوية والدينية والبناء الوطني).

وتناول اليوم الثالث موضوع (السوريون والخيار الديمقراطي) قدمت خلاله المستشارة السياسية والإعلامية لرئاسة الجمهورية الدكتورة بثينة شعبان مداخلة بعنوان (الاستحقاق الوطني والتحديات الراهنة)، كما قدم الأستاذ نواف الملحم مداخلة تناولت (المشاركة الشعبية في جوهر العملية الديمقراطية)، وتحدث الدكتور أحمد كزبري عن (الدستور ومقومات الحياة الديمقراطية في سورية).

العدد 1195 - 23/04/2026