مأزق المشروع الإرهابي.. وبداية السقوط

تتوارد المعلومات يومياً عن حالة الإحباط واليأس التي تعيشها المجموعات الإرهابية، وعن خيبة الأمل التي تعانيها الدول الاستعمارية الكبرى والمشيخات والدول الداعمة للإرهاب، ففي كل يوم تقريباً يواصل الجيش العربي السوري تقدّمه في المواقع التي كان يسيطر عليها الإرهابيون، ويضع حداً لمممارساتهم الوحشية والخارجة عن منطق الزمن والتاريخ، ويتمكن من إقفال العديد من المعابر التي كان يجري منها تزويدهم بالذخائر والمقاتلين والأسلحة، مما أفقدهم القدرة على السيطرة على المنفذ اللبناني الذي كاد أن يشتعل أيضاً. وفي الجبهة الجنوبية، كما تُسمى، الممتدة على حدود  محافظتي القنيطرة ودرعا، والتي جرى تسخينها، وفقاً لما يسمى خطة (بندر) السعودي، فشلت هذه الخطة في الدخول إلى حيز التنفيذ العملي، رغم المساعدة الإسرائيلية الواضحة للإرهابيين، التي ابتدأت بشكل إعانة (إنسانية) وانتهت بفشل ذريع، بالرغم من تكرار المحاولات لتسخين هذه الجبهة مرة أخرى، والتي ستواجه بالسقوط مرة ثانية.

وبقيت دمشق ومعظم المدن السورية الأخرى صامدة تضمد جراحاتها النازفة والناتجة عن الاستعمال الهمجي لقذائف الهاون العشوائية التي لم تفلح إلا في قتل الأطفال في مدارسهم، وأعداد كبيرة من المدنيين الأبرياء. ويسجل تقدم الجيش العربي السوري في سائر المناطق بداية النهاية لهزيمة المشروع الإرهابي في كل المناطق الحساسة التابعة لدمشق وريفها.

وسجلت مصالحة حمص نقطة علاّم في مسار الحرب على سورية، فقد أدت إلى تخلّص هذه المدينة الغالية، من شرور الإرهابيين. أما في حلب التي يضع الإرهاب كل ثقله فيها لتكريس احتلاله لبعض الأجزاء فيها، فقد تحول أمل الإرهابيين إلى حلم مستحيل المنال، بعد التقدم الذي حققه الجيش في المدينة والريف، وكانت آخر خطواته السيطرة على سجن حلب المركزي ومواقع أخرى متقدمة، وبذلك فإنه يقطع طرق الإمدادات القادمة من تركيا، وبالتالي يزيد عزل الإرهابيين ومحاصرتهم.

وفي المجال السياسي، سجلت قيادات هذا المشروع، على مستوى العلاقات السائدة بينهم، أعلى مستوى من مستويات الفشل بحيث تنهار مؤسساتهم الوضيعة أصلاً، الواحدة تلو الأخرى، ووصلت إلى حد السخرية وفقدان أي أمل لدى قياداتهم في الخارج لحل خلافاتهم وتناقضاتهم الصارخة، إضافة إلى أن (نظام الحكم) الإرهابي والإجرامي المبتذل الذي أقاموه في بعض المحافظات السورية، مثل محافظة الرقة، قد أعطى درساً بليغاً لبعض الذين وقعوا فريسة التضليل والكذب، وأعطى المصداقية لمن حذّر من خطورة هذا المشروع الإرهابي، مشروع الدولة الدينية الاستبدادية ما قبل الجاهلية.

إن الهزائم العسكرية التي لحقت بهذا المشروع قد أوقعت الغرب في مأزق كبير. فقد أدرك صعوبة الانتصار على سورية رغم ضخامة المعونات التي يستلمها قادة المجموعات الإرهابية، وفي الوقت نفسه فإن القوى الدولية الطامحة إلى إسقاط الدولة السورية، لا تستطيع التخلي عن مشروعها هذا لأسباب تتعلق بالضغط الأمريكي، أو بسبب تأثير ذلك على التوازن الدولي الذي يختل تدريجياً لصالح القوى الساعية إلى إنهاء نظام القطب الدولي الواحد. ولكنها تخشى، فيما إذا قررت إمداد الإرهابيين السوريين بأسلحة متقدمة جداً، أن تتسرب إلى أيدي المجموعات الإرهابية المحظورة دولياً والمدرجة رسمياً في سجل الإرهاب الدولي.

إن هذا المأزق الغربي، كان ومايزال الشغل الشاغل لرؤساء مخابرات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا وقطر وإسرائيل أيضاً، فقد عقد مؤتمر (أصدقاء سورية) ولم يتمخض عنه قرارات حاسمة، ولم تعرف نتائج الاجتماعات التي جرت بين قادة الاستخبارات الغربية، وقيل إنهم قد يتوجهون إلى إعادة فتح الجبهة الجنوبية، بهدف إقامة شريط عازل ومنطقة حظر جوي، بينما تؤكد كل التحليلات العسكرية صعوبة قلب ميزان القوى بعد الآن، وأن التفوق السوري أصبح أمراً لا عودة عنه، وأن الهزيمة الشاملة للإرهابيين باتت مسألة وقت لا أكثر.

إن عنصراً جديداً قد دخل في حسابات المعركة، هو عملية المصالحات الوطنية الجارية على قدم وساق بين الدولة وأعداد كبيرة متزايدة من المعارضين المسلحين، الذين أدركوا أنهم يسيرون في طريق مسدود. إن هذه العملية، إذا نجحت نجاحاً تاماً، سوف تدفع بالأزمة أشواطاً هائلة باتجاه الحل السياسي وعودة المهجرين والمخطوفين وإعادة إعمار البلاد. وسوف يسجل لسورية وحلفائها إقليمياً ودولياً انتصار استراتيجي ذو أثر كبير في خلق عالم جديد عادل ومتعدد الأقطاب.

إن الشعب السوري الذي دفع ضريبة الدم، والذي أبدى من صنوف الشجاعة والصبر، وتفهّم الواقع ومتطلباته ما لم يبْده أي شعب آخر، يتابع مساره حتى تصفية الإرهاب والإرهابيين وتحرير الأرض السورية من رجسهم.

وسوف يتوجه بعد عدة أيام إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية، والذي من المؤكد أنه سيكون السيد الدكتور بشار الأسد، وذلك على الرغم من الضغوطات الفظة واللاأخلاقية التي يمارسها الغرب وعملاؤه في الداخل والخارج، لتعطيل الانتخابات وإرهاب الناس وخلق ظروف قد تكون أمنية لإعاقة الإقبال عليها. ولكن هذا الشعب الذي قطع أكثر من نصف الشوط على طريق تصفية الإرهاب، سيواصل بالشجاعة نفسها ممارسة حقه وواجباته في الدفاع عن الوطن الغالي سورية، واستعادة أمانه وتحرير أرضه.

 

العدد 1195 - 23/04/2026