الشمس تضيء من نور عيون آبائنا..
لتترعرع الأجيال القادمة، تحتاج إلى قدوة تسير على خطاها، بغضّ النظر عمّا قد يكون حال هذه القدوة. وليثبُتَ سقف البيت تحتاج الأسرة إلى ذاك العامود الجبّار الذي يستند إليه كل أفراد الأسرة.
فالأب هو الإنسان الذي من خلاله ينمو ويتطور معنى الأسرة، أو ربما ينحدر ويتدهور كيانها، وهو حين يفقد حسَّ المسؤولية، وينشغل عن أسرته وأبنائه، لا يستحق أن يكون أباً، بل إنّ أبناءه يشعرون باليُتم والضياع والخوف من المجهول، ولهذا فإن للأب دوراً أساسياً وقيادياً لابدَّ أن يقوم به تجاه أسرته. ومن أجل أن يكون للأبوة معنىً وهدف، فلابدَّ أن يكون هناك مجال للحوار وسماع الآراء، وخاصة فيما يتعلق بالتوافق بين الأب وزوجته وقدرتهما على التسامح والمرونة في اتخاذ القرارات، حيث يؤدي الأب دور القائد الذي يتبع أفراد الأسرة توجيهاته أو نصائحه دون خوف أو امتعاض أو قلق.
ولكن ما دور الأب في حياتنا المعاصرة؟
للأسف، إن دور الأب بدأ بالاضمحلال نتيجة غيابه الطويل في العمل، أو ربما محاولة بعض الأسر تهميش دوره لصالح الابن المتمرد أو الزوجة المتسلطة. وأيضاً، ولأن العصر- كما يقولون – يتطلب سلوكاً متحرراً، حرية في الرأي واستقلالاً عن الأسرة، وتقليداً للأسرة الغربية، وربما لأن كبار السن أصبحوا لا يعرفون شيئاً عن مجريات الحياة المعاصرة.
لهذا السبب، نحن اليوم في حاجة إلى وجود حقيقي للأب في الأسرة، من أجل مصلحتها ومصلحة كل فرد فيها، وأن يكون الأب عادلاً ومسؤولاً ومنفتحاً ومتفهماً للكثير من المتغيرات الطارئة على الأبناء والحياة بشكل عام، وأن يكون ناصحاً ومنصفاً وأميناً ومحباً، وفي الوقت ذاته، عليه أن يكون حازماً في رسم معالم الطريق أمامهم نحو التآلف، واتجاه خياراتهم التي ترسم معالم مستقبلهم.
فالأب والأم عماد الأسرة التي هي فعلاً النواة والخلية الأولى للمجتمع، ولا شكَّ أن تعزيز حضور الأب في حياة الأبناء، هو تقوية لأواصر الأسرة والمجتمع، فيجب أن لا يكون دور الوالدين مقتصراً فقط على توفير المأكل والمشرب والملبس، بل لابدَّ من التربية الصحيحة والتوجيه السليم ومتابعتهم، وإعطائهم جزءاً من الحنان والعطف، وتعليمهم معنى الألفة والرحمة.
إن كثيراً من شباب اليوم غير أهل للمسؤولية في تحمّل أعباء الحياة، فاليوم نرى أن الشاب عندما يواجه مشكلة يعطي ظهره هارباً من المسؤولية، ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها الحروب وما قد أدخلته علينا من عادات وأفكار تبرر للشباب من كلا الجنسين التخلي عن أقرب الناس، ودخول قِيم الرأسمالية في مجتمعنا فصار كثيرون يفضّلون المادة على كثير من الأمور المعنوية.
وإذا تفحصنا أسباب فساد الأبناء، وجدنا أن عامته بسبب الوالدين، فالأبناء مابين محروم من متع الحياة وضرورياتها، وآخر ربما حصل على حاجته الجسمية فقط وحُرم ما عداها، لانشغال والديه أو أنانيتهما أو لعدم وعيهما بأهمية دورهما وأثرهما في حياة أبنائهما.
فبعض الأساليب التربوية الخاطئة التي يمارسها بعض الوالدين، والتي قد تكون ساهمت في سلبية سلوك الأبناء كالصرامة والشدة والقسوة عليهم أكثر من اللازم، مما يعتبره علماء التربية والنفسانيون الأسلوب الأخطر إذا استخدم بكثرة، فالحزم مطلوب في المواقف التي تتطلب ذلك، أما العنف والصرامة فيزيدان المشكلة تعقيداً، كما أنها تجعل الطفل يخاف المربي في وقت حدوث المشكلة فقط، ولكنها لا تمنعه من تكرار السلوك مستقبلاً.. وقد يعلل الكبار قسوتهم على الطفل بأنهم يحاولون دفعه إلى المثالية في دراسته وسلوكه، ولكن هذه القسوة قد تأتي برد فعل عكسي.
لذا وجود الأب وتصرّفه الحكيم هو المسؤول عن مدى نجاح الأسرة، ولهذا السبب اختارت الهيئات العالمية يوم الحادي والعشرين من الشهر السادس، كونه أطول نهار تضيء شمسه في السنة تبجيلاً لأهمية الأب.
وأخيراً.. كل عام وأنتم بألف خير.. قدوة المستقبل!