اكتفاء فكري رغم قطع مواردهم
مذ بداية الاحتلال الفرنسي عام1920 تكبّدت الشعوب العربيّة خسائر نفسيّة فادحة، مما أدى لتراجع المستوى الفكري والثقافي واضمحلال اللغة العربيّة، وانشغال الشعوب كافّة بكيفية التخلّص من الوضع المزري الذي يعيشونه من فقر ودمار وحرمان، إلاّ أنّ هذا لم يمنع العقول الاستثنائية من النهوض مدافعين عن أفكارهم وحقهم الفكري.
شهدت الفترة الممتدة بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في مصر نهضة ثقافية امتدّ تأثيرها إلى سورية ولبنان، وحملت هذه النهضة مسميات عدّة منها حركة التنوير العربية واليقظة العربية، وكان لهذه النهضة دور ذو أهمية بالغة في إنقاذ اللغة العربية وانتشالها بعد أن تعرّضت للضعف والتقهقر، وعملت هذه النهضة على استحداث أول أدب عربيّ معاصر، وساهمت أيضاً في بثّ مشاعر الهويّة العربية من جديد، وقد ساهمت أفكار روّاد الحركة الفكرية بالمشرق العربي في إنجازات فكريّة عظيمة كتزايد الجمعيات العلمية والأدبية، والدعوة إلى عدة قيم كالحرية والمساواة والمواطنة.. إلخ فهي كانت طريقاً لبدء انتشار دور التعليم كما المدارس والجامعات وانطلقت مرحلة تأسيس الصحف والمجلات وحظيت العلوم بمختلف أنواعها بالاهتمام البالغ.
بعد كلّ هذا الشرح المطوّل عن مدى طموح الشعوب العربية الذي منعها من الاستسلام للمعاناة التي عاشتها تحت الاحتلال في ظلّ الظلم والاستعباد والتحقير والتهميش للعقول العربية، وكان سبباً لتسرّب الفكر من بين قضبانهم والانتشار في كلّ مكان ليزيل كل أنواع القمع والجهل المتبعة عليهم، يكمن السؤال اليوم:
هل مازال بإمكان الشعب تجميع الطاقة مثل ذاك الوقت والنهوض ضدّ كل معوقات الحياة التي يعيشها في ظلّ الأزمة السورية؟
لقد عانت سورية منذ بدايات تلك الأحداث المشؤومة، حالة تُشبه الفيضان الذي جرف كل ما هو أمامه دفعة واحدة، دمر البيوت والقلوب والجوامع والكنائس والمدارس..!
فكيف سيعيش الشعب دون أوكسجين؟
بعدما وضعتنا اليد الأجنبية ضمن دائرة الجهل المُطبق، ودمرت كل وسائل الثقافة سواء عن طريق قطع التوريد الثقافي (كالكتب) لسورية، أو عن طريق الكذب الإعلامي على القنوات التلفزيونية، وبالرغم من فرض تلك العقوبات المجحفة بحق السوريين على كلّ الأصعدة من معظم الدول، إلاّ أنّ هذا لم يمنع السوريين من محاربة الواقع والاستمرار في المجازفة لتحقيق الهدف وقتل الجهل رافضين لغة الدم الهمجيّة تلك!
ورغم أن كثيراً من المدارس لم تعد إلاّ مجرد ملاجئ للنازحين لم يكن هذا سبباً لإضعاف الدافع التعليمي عند الطلاب والأفراد ككل، بل كان حافزاً ليثبتوا لكل من ساهم بإيصالنا إلى هذا الواقع البشع أننا متشبثون بأحلامنا التي حاولوا بترها!
وزاد إصرار الطلاب رغم استسلام البعض واختيارهم الهجرة، إلاّ أنّ من تمسك بأرض الوطن واختار الانتصار على الظروف وجازف محارباً للحفاظ على ما تبقى من تراثها الذي سلبوا منا معظمه، كان هو من اختار محاربتهم بسلاح أقوى من سلاحهم الدموي، ولن يستطيع أحد أن يُنكر مدى أهمية سلاح المثقفين.. فسيبقى الفكر سلاح الناضجين.. وسيبقى هو أداة الرعب بالنسبة لهم، والذي طالما حاولوا تدميره بشتى الوسائل.. لكنهم لن ينجحوا لأنّ لدينا اكتفاء فكريّاً رغم قطع مواردهم..