هل تتجرأ (هي) وتخطبه؟
يُعتبر الزواج رابطاً إنسانياً مقدساً، لأنّه الطريق لتكوين الأسرة التي هي اللبنة الأولى والأساسية لبناء المجتمع ككل، وإن عملية اختيار كل من الطرفين للآخر عملية صعبة ومعقّدة ولها طقوس خاصة بها، وأولى هذه الطقوس هي الخطبة التي تُعرف بأنها (طلب يد الفتاة للزواج).
ومن المتعارف عليه في مجتمعاتنا أن الشّاب هو من يُبادر أولاً ويعبر عن مشاعره ورغبته في الارتباط بهذه الفتاة أو تلك، فهي إمّا أن تقبل به زوجاً، وبذلك يبدأان مرحلة جديدة من حياتهما، أو أن ترفض الارتباط به.
لكننا نلاحظ في وقتنا الحاضر تغيّراً كبيراً في هذه الطقوس والعادات، فالفتيات في مجتمعنا مازلن ينتظرن (بياع الخواتم) الذي تحدثت عنه فيروز، علّه يحمل لها خاتماً يوماً ما لتبدأ به مرحلة جديدة من عمرها، وتدخل القفص الذهبي، أو لعلّه يستطيع أن يحبس شّاباً داخل الخاتم لتمنعه من السفر أو الهجرة التي ينشدها الكثير من شبابنا اليوم طلباً للعمل أو العلم، بعد أن يطلب من فتاته انتظاره حتى يعود.. ولكن قد يطول الانتظار.
إذاً فهي تقف على مفترق طرق، ولا تعرف أيّها تختار، خصوصاً عندما تسمع إحصائية قامت بها إحدى الإذاعات الهولندية، بيّنت أن نسبة العنوسة في سورية ارتفعت إلى ما يقارب70% خلال السنوات الأخيرة، لأسباب كثيرة كالظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، والحرب الدائرة منذ عدة سنين، والبطالة وقلّة فرص العمل التي دفعت الكثير من الشباب إلى الهجرة إلى بلدان أخرى.
ومع كل هذه الظروف القاهرة، وللهروب من شبح العنوسة قد تلجأ الفتاة إلى أمر آخر، لكنه غير مألوف في مجتمعنا الشرقي، فقد تُبدي رغبتها في الارتباط بشّاب ما عندما تجد فيه مواصفات الزوج الناجح أو الزوج المطلوب، فتشحذ عزيمتها وتتشجّع وتعبّر عن مشاعرها ورغبتها، فتهدي له مشاعر فيّاضة من الحب والوفاء والإخلاص والثقة، ليتقاسم معها الحياة بحلوّها ومرّها، فهل يمكن أن يكون جديراً بهذه الثقة ويقدر ويُثمّن هذه المبادرة الطيبة؟ بعض الشباب قد لا يجدون حرجاً في أن تخطبه الفتاة وتتكلل العلاقة بينهما بالزواج وتكوين أسرة.
ولكن في مقابل ذلك، ربما نجد بعض الشباب رافضين لهذه الفكرة رفضاً قاطعاً، فبمجرد أن تُعبّر له الفتاة عن عواطفها، تتملكه مشاعر الغضب ولا ينبس بكلمة واحدة، وذلك لأنه يجد في مشاعرها الصادقة وقاحة، ويراها امرأة مُتسلّطة ومُسيطرة وذات شخصية قوية، وقد كسرت حاجز الحياء والخجل الذي يجب أن تتحلى به كل أنثى، لذا ستبقى آخر فتاة يمكن أن يفكّر في الارتباط بها، لأنها برأيه لا تصلح بأن تكون زوجة المستقبل، ولا يمكن لها أن تتحمّل مسؤولية البيت والأسرة والأولاد، ذلك كله لا لشيء، إنما فقط لأنها انتقصت من رجولته و(رمت نفسها عليه) ولم تُعطِ بالاً وأهمية بأنها (فتاة) يزينها حياؤها، وهو (رجل) يجب أن يمتلك زمام المبادرة والاختيار في كل الأمور، فيبتعد عنها ويتركها حائرة مُحبطة مخذولة، رغم أنها لم تفعل شيئاً سوى أنها خرجت عن المألوف، وعبّرت عن عواطفها المكنونة لشاب ليس أهلاً بها ولا بثقتها.
ولأن نظرة هذا الشاب والمجتمع لن ترحمها، ستختار كبت مشاعرها بداخلها، ولا تقبل بأن تتجاوز المألوف بتقاليده العرجاء، وإن كان الشّاب ذا مواصفات لا تستطيع أي فتاة رفضها، لأنها لن تتحمل كلمة جارحة بحقها أو إهانة لكرامتها إذا أساء فهمها.
لكن، ورغم هذا وذاك، أليس من مسؤوليتنا نحن، فتياتٍ وشباباً، وفي ظلّ تطور المعلومات والاتصالات والغزو التكنولوجي والثقافي الذي طغى على مجتمعاتنا، أليس الأجدر بنا أن نتجاوز هذه الشكليات والعادات والتقاليد ونتطور قليلاً؟ أليس الأَولى بنا أن نبتعد عن التشدد والتعصب في هذه الأمور؟
فليس المهم من يبدأ أولاً، سواء الفتاة أم الشّاب، وإنما المهم من يسعى ويحاول جاهداً من أجل إنجاح هذه العلاقة المقدّسة، وتمتين روابطها وحمايتها للحفاظ عليها من الفشل والانهيار.