المواقف الصحيحة تصنع رجالاً…

 من نافلة القول أن ليس كلّ ذكر رجلاً، لأن الذكورة هي أحد نوعي المجتمع البشري، أمّا الرجولة فهي الصفات والمواقف والمثل العليا التي قد توجد في ذكر، دون وجودها في ذكر آخر، وبالطبع ليست الرجولة هي الفحولة الذكرية التي يعتبرها ويُقدّسها كذلك المجتمع الشرقي، وليست هي القوة البدنية، والعقلية المتخلّفة، التي يوصف بها بعض الذكور في المجتمعات الشرقية، وتُسمّيهم قبضايات الحارة، في حين أن هؤلاء هم من الشواذ في المجتمع.

فعندما نتحدث عن الرجولة، فإننا نعني أنها هي النتيجة لأعمال الإنسان بعد التجربة، في مقارعة المواقف الصعبة، وتحدّيها واجتيازها بشكل صحيح. يُقالُ: (رجل)! للإنسان الذي يواجه المشكلات والمواقف الطارئة والصعبة، بكل هدوء ورويّة وتفهّم، ثم يعمل على فكّ تعقيدها بمعرفة ووعي، وإيجاد الحلول لها بكل جرأة وحزم، وثقة وتصميم.

الحالة المعنوية وصواب الرأي والإقدام والمعرفة ببواطن الأمور، تصنع من الإنسان رجلاً، دون الأخذ بعين الاعتبار حالته المادية، لأن الحالة المادية تابعة للتغيير والزوال، أمّا الصفات المعنوية الشخصية الجيدة، فهي الصفات الدائمة والمستمرة، التي تصنع من الإنسان رجلاً.

الصفات المعنوية التي تصنع من الإنسان رجلاً، تتضمن وتتطلب الاطلاع والمعرفة، والوعي والجرأة والتصميم في اتخاذ القرار الصحيح، بما يكفي لتظهر نتائجه الإيجابية على المجتمع، وهي التدخّل في الوقت المناسب لتصحيح الأمور التي يكون فيها مشكلة أو التباس، وهي المبادرات الفردية الصحيحة، وتحمّل المسؤولية، والحرص على أن يكون الرأي  مُنصفاً وصحيحاً يقبل به كل المعنيين بنتيجة القرار، وهذه الصفات يعترف بها المجتمع للإنسان الرجل حسب مواقفه الإيجابية، ويكون للرجولة درجات متفاوتة كما يراها المجتمع.

ومن ناحية أخرى، يمكن التخصص في الرجولة، فنقول هناك رجل في السياسة، ورجل في القضاء، ورجل في التعليم والتربية، ورجل في الفكر والمنطق، ورجل في صدّ العدوان الداخلي والخارجي على مجتمعه، إلى آخره من أشكال الرجولة، وليس يُشترط على الرجل أن يكون مختصاً بكل المواقف.

قوة الأعصاب، وتحمّل المفاجئات، هي القوة الأولى المحرّكة للرجل الذي يتولى السيطرة على المشكلة من جذورها قبل فوات الأوان، بل ويصنع الفرصة الملائمة لتكون الأمور في نصابها الصحيح، تلك هي بعض المواقف التي تصنع الرجولة.

ليس للرجولة بذور وراثية، بل إنها تعتمد على ما يتعرّض له الإنسان من تجارب منذ طفولته، وهي محصلّة لعمليات التنشئة الصحيحة التي يتلقاها في الصغر، واحتكاكه بشكل معرفي وإدراكي بالبيئة المحيطة به، وبالعلوم التي يتلقاها في مراحله المختلفة، وتتأصّل مفاهيم الرجولة عند الإنسان في الفهم المستمر للواقع والوقائع التي تمدُّ الإنسان بالجرأة وقوة الشخصية والثقة بالنفس، ليكون رجلاً  ناجحاً في مواجهة الحالات الطارئة واجتيازها في محيطه ومجتمعه.

للرجال الحقيقيين دورٌ بارز في إصلاح المجتمعات، وفي تصويب الخلل الاجتماعي والسياسي والثقافي، فالرجل بمعنى الرجل هو الناصح الأمين بلا محاباة ولا تضليل، وهو الحرُّ الشجاع وليس التابع الجبان، وهو المشارك في تصنيع الأفكار الحرة التي يمكن أن تُبنى أجيال على أساسها.

الرجل الحقيقي هو الذي يقول كلمته الفاعلة بجرأة وصدق وتصميم، ويعمل على تحرير المجتمع، من أشباه الرجال المستزلمين، والمنتفعين والوصوليين.

في التاريخ والأدبيات يُقال بأن الرجال قليلون، إنما يوجد من الرجال من كانت لأفعالهم وآرائهم يقظة للمجتمعات من براثن الجهل والتخلف، وصحوة تلك المجتمعات على حياة إنسانية واجتماعية جديدة وصحيحة.

إذاً، ليس كل ذكر رجلاً، وفي الحديث عن الرجولة يجب أن نعترف بأن العديد والكثير من النساء، لديهنّ القدرة على مواجهة الخطوب والصعاب وتجاوزها بإدراكهن الصحيح، وتصرفاتهن السليمة، فليس غريباً أن نصف هذه المرأة أو تلك بالرجولة، ونقول عنها (أخت الرجال)!

 

العدد 1188 - 25/02/2026