الثقافة في ظلّ المقاطعة الخارجية
في الحديث عن الشأن الثقافي وتأثره بالعقوبات والمقاطعة العربية والعالمية المفروضة على هذا الوطن، بسبب الحرب التي نعيش في محرقتها، الحرب التي أحرقت الداخل، قبل أن تكمل عليها مقاطعة الخارج، والسؤال: هل انقطاع ورود الكتب والمجلات والصحف والدوريات العربية والعالمية، قد أدى أو سيؤدي إلى تجفيف منابع الثقافة في هذا البلد؟.
سأقول أولاً بأن وضع المثقف والقارئ العربي، أينما كان في بلاد العرب، وإن كان في ظروف الصراعات، أو قبل الصراعات والحروب، غالباً ما كان في حالة هزيمة دائمة، هزيمة ثقافية وفكرية، تفرضها عليه الحكومات، والممنوعات الاجتماعية والسياسية، والمحرمات الدينية، تلك الهزائم التي لا تسمح للقارئ وللمثقف العربي بأن يكون حراً في طرح ما يريد أو حتى قراءة ما يريد، أو الاطلاع على ما يريد، فالحكومات دائماً ما تقوم بمنع دخول العديد من الكتب والمنشورات من الخارج، بحجّة أنها إفساد لفكر المواطن العربي، بينما هي في الحقيقة فضح للممارسات الخاطئة التي يعيشها المجتمع العربي قسرياً سياسياً وفكرياً، لذلك تخشى الحكومات أن تتفتح بصيرة القارئ العربي ووعيه على كيفية المقارنة بين الصحيح هناك والفاسد هنا، فتمنع دخول الأفكار التي لا تناسبها، وهذا ما زال يحدث، قبل أن تحدث المقاطعة ويصير المنع بحجّة الحرب المفروضة، لذلك دائماً ما كان الشأن الثقافي يخضع لحالات من التحديد والمقاطعة والتقييد والمنع، وبالتالي عدم دخول وسائل وعوالم الثقافة المطبوعة سواء عربياً أم عالمياً.
من الواضح أن المقاطعة الدولية والعربية المفروضة على سورية لأسبابٍ لسنا في مجال ذكرها الآن، لم تكن مقاطعة اقتصادية فقط، بل هي مقاطعة لكل نواحي الحياة العامة، التي أثّرت تأثيراً واسعاً وسلبياً على كل متطلبات الشعب السوري. ومن نتائج هذه المقاطعة برز بشكل كامل موضوع المقاطعة الثقافية، فلم يعد يصل من دور النشر الخارجية إلى سورية أي كتب أو مجلات أو صحف أو دوريات، أو حتى تبادل للوفود الثقافية بين سورية والعالم الخارجي.
المكتبات وأكشاك بيع الصحف، أصبحت خاوية تماماً من كل ما هو جديد، وبالطبع افتقدنا جميعاً إلى الكثير من الصحف والمجلات التي كنا نتابعها، وفقدناها فجأة، وكان من الممكن أن يحدث التصحّر الثقافي كما هو التصحّر المعيشي والتصحّر الأمني الموجود حالياُ.
إنما لم يحدث الجفاف والتجفيف لمنابع الثقافة بالكامل، لأن الدولة والمؤسسات المعنية ما زالت قائمة، فاستعاض المتابعون للشأن الثقافي عن وجود الكتب والجرائد والمجلات الورقية بما يعادلها من النسخ الإلكترونية عبر النت وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، وقد صارت هذه الوسائل البديلة في متناول الأغلبية من المهتمين، وإن كانت تتعرض لبعض الصعوبات والحجب أحياناً.
فالمواطن السوري ينتفض دائماً كطائر الفينيق من بين الرماد، ويصنع الحياة من جديد، وبإمكاناته البسيطة وسعة ثقافته ووعيه، استطاع أن يتجاوز كل المعوقات التي تسعى إلى توقف حياته الاجتماعية والفنية والثقافية والاقتصادية، وما زال يخلق الإبداعات والوسائل لاستمرار حياته، رغم قساوة الظروف التي خلقتها وتخلقها الحرب في كل لحظة.
ما زلنا في هذا الوطن نتابع الحياة الثقافية والأدبية، عن طريق الندوات والمحاضرات والملتقيات، في العديد من المناطق السورية، غير خاضعين للظروف القاهرة والصعبة التي نجدها في طريقنا، ولذلك لن نسمح بحدوث التصحر الثقافي. ومن المؤسف له أن عدد الصحف والمجلات السورية قليل نسبياً أصلاً حتى قبل الحرب، فغابت عن الجرائد والمجلات الموجودة زوايا الثقافة والفكر والأدب والإبداع لسببين، أولهما أن الجرائد الرسمية تخصص أغلب صفحاتها لما يخص الحرب والصراع في المنطقة، وغابت عنها الصفحات الثقافية، إلا في ما ندر، وجنحت الصحف والمجلات الخاصة إلى الاهتمام بالدعاية والإعلان التجاري والأقلام الرخيصة التي تنتج عن شللية وعلاقات خاصة مع صاحب الجريدة، فلا يجد الكاتب المثقف الحقيقي مكاناً له فيها، ويحدث هذا أيضاً في الجرائد والمجلات الحكومية، فلا يجد الكاتب مكاناً له، إلا فيما ندر، إن لم يكن مقرباً من هيئة الإشراف على المؤسسة الثقافية، فصار الجفاف الثقافي موجوداً في كيفية العلاقات بين الأدباء الحقيقيين والمؤسسات الثقافية المحلية، أكثر مما هو ناتج عن غياب الصحف والمجلات ووسائل الثقافة الخارجي