كفانا استمراءً للكذب
تُزَفُّ العروس وكل العيون والقلوب تترقب تلك اللحظة، لحظة الكشف عن عذريتها التي لم يمسّها سوء، وقد اقترن حفل الزفاف بتلك اللحظة تحديداً، وكأن تلك الفتاة / العروس ما هي إلا بضع قطرات من الدم تزيل الهم عن كاهل أهلها، وترفع رأس عريسها عالياً، فقد حصل على الشرف كاملاً غير منقوص، وكأنه حقق نصراً لم يتمكن غيره من الفوز به….
ومع أن طريقة تعامل الأهل مع هذا الموضوع بدأت تلحظ بعض الاختلاف، فلم يعد الفطور الصباحي سبباً مباشراً لإلقاء النظرة على تلك القطرات، ولم تعد بعض الأمهات تسأل عنها مباشرةً وبطريقة فظة، إلاّ أن هذا التغيير شكلي فقط، بينما بقي لب الموضوع حاضراً في الأذهان جميعها، رجالاً ونساء.. فالرجل الأب أو الأخ أو العريس يرى في الأمر مقياساً أساسياً لشرفه، والمرأة الأم أو الأخت أو العروس تبقى في قلقٍ من أمرها حتى يفض غشاء البكارة وتسلم تلك الراية لغيرها من الفتيات المترقبات لحظّهن في الزواج من بعدها…
ما يؤلم في الأمر، أن المجتمع لم يعترف بعد بذاك الكيان الذي تسعى الفتاة لتكوينه وتطويره، وبناء شخصيتها بالشكل الذي تتمناه، وبالفعل تعمل على تحقيق أحلامها وطموحاتها، فتصبح إنساناً كامل الأهلية، يتمتع بكل ما يؤهله للصدارة، لاسيما في هذه الظروف التي جعلت من الفتاة أو المرأة تقوم بأعمال لم تكن في البال يوماً، نظرأ لقلّة الرجال سواء عددياً أو بالمعنى الحقيقي للرجولة، فهي المعيل والمسؤول عن أسرٍ عديدة تكبلها أعباؤها المرهقة، ومع ذلك تقوم بها بكل جدارة ونجاح، المؤسف حقيقةً أن النظرة المجتمعية إليها وعلى الرغم من كل الفخر والاعتزاز بها، تبقى موجهة نحو أمر واحد، مؤطِِّرةً الشرف بمفهوم واحد ومقياس وحيد… وهذا ما يلغي اعتراف هذا المجتمع بكل كيانها، وكأن شيئاً منه غير موجود أو غير مرئي، لا بل يتم إغفال شخصية تلك الفتاة بكل جوانبها وسحق حقها في الحياة التي أرادتها لذاتها، حينما يبقى معيار الشرف محدوداً في إطارٍ ضيقٍ لا بل وسخيف… سخيف لأن تطور الحياة والعلم والطب جعل من بعض العمليات الجراحية ملجأً للعديد من الفتيات لاستعادة الشرف المهدور، وقد باتت ظاهرةً واسعة الانتشار، وللأسف العريس لا يفكر في الأمر، بل يمر عليه بكل بساطة…
فإلى متى سنظل نكذب على أنفسنا ونستمرئ هذا الكذب؟…أليست تلك العمليات ضحكاً على اللحى؟ فأين الشرف والرجولة حين يتم القبول بها؟
إن الشرف مفهوم عام وكبير للغاية، لا يمكن تأطيره بكلمة واحدة، فالعمل والأخلاق والتعامل الإنساني النبيل وصون الكرامة واحترام الآخر انطلاقاً من احترام الذات كلها تصب في مفهوم الشرف، وبذلك أرى أن المرأة في حقيقة الأمر وفي معظم الحالات هي معيار للشرف الحقيقي، وليس بالشكل الذي يفهمه ويطالب به المجتمع، فمن تعيل أسرتها بشتى الأعمال منعاً لمدِّ اليد والتسوّل هي من يحق لها أن تحمل لواء الشرف، ومن تتحمل أعباء الحياة وضغوطها، في ظل غياب الرجل بشكلٍ فعلي أو ظاهري، فهي أيضاً من تمتلك الحق في التحدث عن الشرف…
كم من الرجال الموجودين في أسرهم وهم عالة عليها، في الوقت الذي تقوم به المرأة بكل الأعمال بينما يكون الرجل جالساً لا يعمل إلاّ ما يروق له… هذا إن قبل بالعمل والعطاء… أليس في هذا انعدام لشرف الرجل؟
يكفينا تخلفاً وتقهقراً نحو مفاهيم مغلوطة، ولنعمل على تجديد فكرنا بأن نعطي المرأة حقها أكثر وأن ننصفها أكثر، بدلاً من أن نكون نحن والزمن عليها..