أين المصارف الخاصة من عملية التنمية..؟!
كان القرن الحادي والعشرون بداية التوجه العملي نحو تحرير الاقتصاد السوري، فأخذت التشريعات المالية والنقدية مكاناً مهماً في تلك العملية، وذلك لتأسيس البنية الملائمة لهذا التوجه وفيها المرسوم رقم 28 لعام 2001 المتضمن إحداث المصارف الخاصة، والقانون رقم 35 لعام 2005 الخاص بإحداث المصارف الإسلامية، وقد رُخّص حتى الآن لـ 14 مصرفاً خاصاً، منها 3 مصارف إسلامية. بعد أن كان هذا القطاع مقتصراً على ستة مصارف عامة تخصصية. كما رُخّص لـعدد من مؤسسات التمويل الصغير، ولعدد كبير من مؤسسات الصرافة موزعة بين شركات ومكاتب صيرفة، وذلك كحل أراده البعض لسياسة ائتمانية جديدة تتناسب مع التوجه نحو السوق الحر، ولكننا نتساءل عن حجم الدور الاجتماعي والتنموي الذي قامت به هذه المصارف في تنمية المجتمع السوري؟ وما هو دورها خلال الأزمة التي يشهدها الشارع السوري؟
فمنذ تأسيس المصارف الخاصة اعتمدت توجه الفريق الاقتصادي السابق، ودعمت الرأسمال على حساب باقي القطاعات في المجتمع. فحسب إحصائيات عام 2010 بلغت قيمة موجودات المصارف السورية الخاصة 558 مليار ليرة سورية. وقد أودع 122 ملياراً منها في المصرف المركزي، أي ما يعادل 8,21% من مجموع الموجودات. وأودعت أيضاً 8,157 مليار ليرة سورية في مصارف خارجية، ما يعادل 8,27% من حجم الموجودات الكلية، مما أدى إلى سحب السيولة من السوق المحلي، وقد وزعت النسبة العظمى من تسهيلاتها الائتمانية التي بلغت في مجملها 218 مليار ليرة سورية (39% من الموجودات) بشكل غير متوازن، فخصصت 7,140 مليار ليرة سورية من التسهيلات الائتمانية (ما يعادل 5,64 % من التسهيلات الائتمانية) لإقراض الشركات التجارية الكبرى التي تملكها القوى الرأسمالية صاحبة الأموال. وإذا أخذنا في الحسبان الأموال المقرضة للحكومة السورية التي بلغت 13 مليار ليرة سورية، فإن ما تبقى لإقراض الشركات المتوسطة والأفراد لم يتجاوز 5,52 مليار ليرة سورية (ما يعادل 4,9% من مجموع الموجودات).
لم تؤدّ المصارف الخاصة أي دور تنموي يطور قطاعاتنا المنتجة أو يخلق فرص عمل مباشرة أو غير مباشرة، وحتى لم تقم بدورها المأمول في تمويل المشاريع التنموية. فلم يتحقق ما تحدثت عنه الجهات المعنية عند إحداث تلك المصارف بإرواء عطش مختلف القطاعات المنتجة (زراعة، صناعة، خدمات) من القروض، وهو ما يدعم التنمية والإصلاح. وحتى في مجال الإقراض والاستثمار لم تحقق المنتظر منها حتى الآن.
فتنفيذاً للسياسات النيوليبرالية التي انتهجها الفريق الاقتصادي السابق، دعمت هذه المصارف قطاعَيْ المال والتجارة، وأهملت الصناعة والزراعة والخدمات الشعبية، واعتمدت على القروض الشخصية الاستهلاكية والسلف وقروض الزواج وغيرها، فعملت على توسيع مجال الإقراض المصرفي الذي كان يفتقر إليه السوق السوري، الأمر الذي ساعد في سحب السيولة من المواطنين، إضافة إلى تعزيز التفاوت الطبقي وازدياد رقعة الفقر. فلم تساعد المصارف الخاصة على دفع الدورة الاقتصادية للبلاد، ولم يكن لها دور يذكر في عملية التنمية، لانعدام السياسات التنموية والخطط الاقتصادية التي يرسمها واضعو السياسات الاقتصادية الكلية – دون التضارب مع الهدف الرئيسي للسياسة النقدية- ويحددوا من خلالها دور هذه المصارف في عملية التنمية، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي. بل عملت، على سبيل المثال، في ظل الأزمة، على رفع الفائدة على القروض والتسهيلات المصرفية الممنوحة للتجار والصناعيين حتى 16%، مما فاقم المشكلات الاقتصادية التي تواجههم، وضاعف من قيمة القرض الأساسي بشكل غير مبرر وغير محق.
لماذا لم تتوجه هذه المصارف إلى المناطق النائية وتدعم الاستثمار فيها؟ فقد أثبتت التجارب أنه في المناطق التي تتسم بقلة الموارد، تميل المجتمعات إلى تحقيق نمو اقتصادي بخطا أسرع عند توفر خدمات مالية وقروض ميسرة خاصة بالفقراء، مقارنة مع المجتمعات التي تنعدم فيها مثل هذه الخدمات.
بانتظار أن تشارك المصارف الخاصة في دورها التنموي المأمول، يتطلب الأمر إعادة النظر في دور هذه المصارف عملية التنمية، وضرورة إدماجها في الخطط الاقتصادية وتفعيل دورها التنموي، فالأمر بحاجة إلى توسيع التعاون بين القطاعين العام والخاص على المستويين الأفقي والعمودي، للنهوض بالعمل المصرفي في سورية بشقيه العام والخاص.
المراجع:
المصارف الخاصة الواقع والآفاق، د. راتب الشلاح، محاضرة في جمعية العلوم الاقتصادية السورية.
القطاع المصرفي في سورية واقع وآفاق