الحلم الأمريكي وكابوس كوبرنيكوس
نشرت جريدتنا الغراء في عددها الصادر بتاريخ 29/2/2014 خبراً لافتاً، مضمونه مختزل في عنوانه المثير: ربع الأمريكيين لا يعرفون أن الأرض تدور حول الشمس.
مصدر الخبر ليس استطلاعاً للرأي أجرته مؤسسة مغمورة مجهولة المصداقية والعنوان، بل هو استطلاع قامت به المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم، التي تصوغ نتائج استطلاعاتها في تقرير دوري عن واقع العلوم والثقافة العامة يضعه المجلس القومي الأمريكي للعلوم بتصرف أكبر صناع القرار الأمريكي في البيت الأبيض والكونغرس.
هي ليست المرة الأولى التي يتحفنا فيها أبناء العم سام بدليل دامغ على مدى الوعي والنضج الحضاري الذي بلغوه حتى احتكروا شرف حمل لواء الحضارة الإنسانية الحديثة وريادتها وصولا إلى ابتداعهم أسطورة الحلم الأمريكي الذي لا يزال يداعب مخيلة ملايين البشر في شتى أنحاء المعمورة، فمنذ أعوام خلت وإبان عهد الرئيس الأمريكي السابق السيئ الذكر والصيت جورج بوش الابن، سمعنا خبراً مشابهاً لا بل أشد وطأة على النفس من وقع (التوماهوك) المهنّد، مفاده أن ثلث الأمريكيين – أو أكثر قليلا – يؤمنون بأن رئيسهم على اتصال غيبي بالسماء، وأنه يرسم سياساته بناءً على وحي يتلقاه منها!!
في تلك الحقبة المشؤومة، حقبة العدوان الأمريكي على العراق وما تلاه، طالعتنا بعض استطلاعات الرأي بنتائج مدهشة عن أعداد الأمريكيين الذين لا يعلمون في أية قارة يقع هذا البلد المسمى العراق، الذي روّجته حكومتهم على أنه التهديد الأعظم لأمنهم القومي ولحلمهم المنشود!!
الغريب أن مثل هذه الأخبار على غرابتها غالباً ما تمر من وسائل الإعلام المختلفة على سبيل الطرفة والفكاهة لا أكثر، دون التوقف عند دلالاتها ومغازيها البالغة الأهمية والخطورة، بخلاف طريقة التعاطي مع الأخبار التي تتناول مثلبة من مثالب المجتمع العربي، لا سيما إذا كانت صادرة عن جهة خارجية، كما هو حال التقارير التي تتناول واقع المرأة العربية ونسب الأمية في البلاد العربية على سبيل المثال، فغالباً ما ينحرف أسلوب التعاطي مع مثل هذه التقارير عن سياق النقد البنّاء الموضوعي الهادف لقرع نواقيس الإنذار وطرح تصورات وخطط لمعالجة ما تتضمنه هذه التقارير من سلبيات، ليحولها البعض إلى مجرد سوط لجلد الذات ومناسبة لليأس والتيئيس.
حقاً.. كلنا شعرنا بالصدمة والخيبة وربما الخجل أيضاً حين أصدرت اليونسكو منذ بضع سنوات تصنيفها الدولي لمعدلات القراءة حول العالم، ولكن هذا التصنيف الذي وضع الشعوب العربية في ذيل تلك القائمة.. قراءة وتأليفاً ونشراً وترجمة وغيرها، هو ذاته التصنيف الذي بوّأ الشعب الأمريكي مكانة متقدمة كأحد الشعوب النهمة للقراءة، ووفق الأرقام الواردة في التصنيف، وبعملية حسابية بسيطة تبين لنا حينذاك أن المواطن الأمريكي يقرأ 220 ضعف ما يقرأه المواطن العربي (اللهم لا حسد)، فبالله عليكم كيف استوى هذا وذاك؟ ربع شعب يعتبر أحد أكثر شعوب العالم نهماً للقراءة لا يعرفون أن الأرض تدور حول الشمس!! ماذا يقرأ هؤلاء إذن؟
لست بصدد السخرية من (أعزائنا) الأمريكيين أو تصيّد سقطاتهم وهناتهم لا سمح الله! ولكن تواتر مثل هذه الأرقام بين الحين والآخر يثير العديد من إشارات الاستفهام، فضلاً عما يثيره من علامات تعجب، ويؤكد ما يذهب إليه الكثير من كبار المفكرين في الشرق و الغرب من أن العالم برمته قد دخل حقبة جديدة عنوانها العريض عولمة الجهل، وأن الأمريكيين مثلهم مثل بقية شعوب العالم يتحولون شيئاً فشيئاً إلى أقوام لا يعلمون إلا ما تعلّمهم إياه منابر الضخ الإعلامي التي استلبت عقولهم واحتكرت حريتهم في اختيار ما يتلقونه، بشبكة أخطبوطية هائلة لا تقدم سوى المعلومة المبرمجة لأداء وظيفة معينة، خدمة لغاية محددة .
هذا التناقض الأقرب إلى المفارقة يدعونا في الحد الأدنى إلى التساؤل عن المعايير التي تعتمد في إجراء مثل هذه الاستطلاعات، أما في حال آمنّا بواقعية هذه الأرقام وصدقها، فنحن إزاء إشكاليات أكثر عمقاً تفضي إلى طرح أسئلة أشد إلحاحاً تلامس مفاهيم أعظم وأجلّ شأناً: ما هي الثقافة؟ ما طبيعة العلاقة بينها وبين التعليم بمفهومه التقليدي؟ ما دورهما في صياغة الوعي؟ ما مدى انعكاس الوعي على السلوك؟ ما دور كل ما سبق في صناعة الحضارة….الخ وصولا إلى السؤال القديم المتجدد:هل من معيار موضوعي لقياس مثل هذه المفاهيم المجردة؟
في القرن الحادي والعشرين.. ربع الأمريكيين لا يعرفون أن الأرض تدور حول الشمس!! واخجلاه.. ماذا عسانا أن نقول لروح كوبرنيكوس الذي أفنى عمره منافحاً عن نظريته الشهيرة؟ ولروح جيوردانو برونو الذي أعدم حرقاً لرفضه إنكار هذه الحقيقة الساطعة، ولروح غاليليو صاحب أطول محاكمة في التاريخ بالتهمة ذاتها؟
رأفة بأرواح كل هؤلاء وغيرهم من الرواد، أقترح الإسراع بإجراء استطلاعات مشابهة في بلدان أخرى كالصومال أو بنغلاديش مثلاً، علّ نتائجها (تبيّض) وجوهنا أمام هؤلاء، وتخفف من وطأة الكابوس الذي لا شك يقضّ مضاجعهم الآن.