متى يبكي الرجال؟
تُعبّر الدموع عن أحزان عميقة، وجروح في النفس بليغة، وقد كان حريّاً بها أن تخرج من القلب بدل أن تسيل من العيون، لأنها تعبّر عما يعصف به من ألم وقهر وأحزان قد لا تظهر للآخرين، ودائماً يُقال عن المرأة إن سلاحها دموعها، فهي تسيل على وجهها لتعبّر عن مشاعرها الفياضة، وعواطفها الجيّاشة، فتزيل بالدموع ما يعتصر قلبها من أحزان وأوجاع.
والدموع ليست حكراً على النساء باعتبارهن الأضعف، فالحزن لا يفرق بين ذكر وأنثى، وكلاهما خُلقا من نفس بشرية واحدة ، إلاّ أنه في مجتمعاتنا الشرقية عموماً، درجت عادة الأهل على عدم السماح للذكور بالبكاء، وكأن البكاء للإناث فقط، مًحرّم على الرجال، فترى الأهل يغضبون ويتذمرون عندما يبكي طفلهم، ويقولون له قبل معرفتهم سبب بكائه: عيب عليك، لا تبكِ فالرجال لا يبكون.
فالبكاء لا يتوافق مع عادات الرجولة العربية، ولكن في الحقيقة الرجل لم يخلق من حجر لا يهزه شيء، فهو كالأنثى تنتابه أحاسيس ومشاعر الألم والفرح، الحزن والسرور، ولكنه لا يستطيع أن يُعبّر عنها مثل المرأة حتى لا يحتقره المجتمع من حوله ويشكك برجولته.
ولربما يشعر الرجل بأنه سيسقط من عيون الآخرين -وخصوصا المرأة- إذا بكى أمامهم، ولكن الدراسات بيّنت العكس تماماً، فالمرأة بحكم عاطفة الأمومة بداخلها إذا شاهدت الرجل يبكي، تتأجج لديها مشاعر الحب والعطف والحنان عليه، وتصبح أكثر انسجاماً وتفاهماً معه.
ولكن ما الأمور التي تستدعي بكاء الرجال؟؟
يُقال (عندما يبكي الرجل فاعلم أن همومه فاقت الجبال).
فهو ربما يبكي عندما يفقد شخصاً عزيزاً وغالياً على قلبه، فيتألم عند شعوره بالفراغ الذي تركه ذلك الشخص، ويبكي لعمل أو تجارة خسرها، أو عندما يظلمه أي شخص دون أن يستطيع استعادة حقه منه، ويبكي لمرض ألمّ به فأوجعه. ولكن لو نظرنا إلى حال الرجال في ظل هذه الحرب الشعواء، فلا عيب أو عجب أن ترى رجلاً يبكي لأنه فقد منزله وأضحى هو وعائلته بلا مأوى.
ولا عيب في رجل يبكي لأنه فقد أفراد أسرته الذين شرّدتهم الأيام وشتتهم في أصقاع الأرض، فهذا لم يرَ أمه منذ أربع سنوات فتدمع عيناه شوقاً لها، وذاك لم يلتقِ بأبنائه منذ مدة طويلة فينفطر قلبه على فراقهم.
ولا عيب في رجل يبكي لأنه لا يجد ما يسدّ به رمق أولاده الذين يتضورون جوعاً بعد أن فقد عمله ومورد رزقه. فبكاؤهم ليس عيباً، وإنما هو تنفيس عما يختلج بين ضلوعهم من مشاعر وأحاسيس وآلام. ولكن في زمن أضحت خيبات العرب وهزائمهم وانكساراتهم تطغى على ما يجري من أحداث، وفي ظلّ تراجع مكانتهم بين الأمم، أليس عدم بكاء الرجال اليوم هو المُبكي حقاً!!!