النمور في اليوم الأول

إلى الكبير دائماً زكريا تامر.. نمورك تذكرت غاباتها.

لم تنتظر النمور عشرة أيام حتى تستسلم لقدرها هذه المرة، بل استلمت مخصصاتها من العلف منذ اليوم الأول، واجتمعت على سفرة الغداء وهي تتبادل النكات وتروي تواريخ الأسلاف الذين كما يقال فتحوا السند والهند، وتتناقل أشعار الأولين وقصصهم..

لم تعد النمور تفكر خارج هذا القفص الذي صار وطناً فيه الماء والمرعى، وهم المواطنون الصالحون الآمنون المطمئنون، هكذا كانت النمور يا أستاذ الوحي القصصي، أيها الحداد في زمن الفخار، هكذا كانت في يومها الأول من تاريخها الجديد.

 ثم جاء زمن انقسمت فيه هذه النمور الوديعة، نبتت لبعضها مخالب، امتدت أنظارها خارج القفص الكبير، حيث الشمس والطرائد الشهية والسهوب المفتوحة على حياة ملونة بكل الألوان، فيما استشرست نمور أخرى وهي تدافع عن أقفاصها المريحة بوجه من يريد إخراجها من هذا النعيم، تناهشت النمور، صار القفص ساحة معركة دامية، نمور تريد الخروج وتدبير أمورها بنفسها وإن جاعت لأيام، وأخرى تتمسك بطيب الإقامة في قفص تعودوا على فيئه ومائه وما يتيسر من علف يقدم لهم فيه، وقد نسوا رائحة اللحم، القفص تمزق من شراسة المعارك بين النمور، لكن الأقفال بقيت محكمة، وبقي الحارس على الباب متأهباً لإطلاق النار على كل من يحاول الخروج من أتون الحرب الضروس… وما تزال الدماء تسيل على جدران القفص… ما زالت الدماء تدق على الجدران..

***

حين أبلغ السجانُ السجينَ الذي أمضى نصف عمره في القاووش بأن قرار الإفراج عنه قد صدر أخيراً بمكرمة ملكية، مؤكداً له أن جلالة الملك لا ينسى أبناءه البررة، وألقى عليه محاضرة عن الحياة الجديدة التي يجب أن يبدأها فور خروجه من السجن، بعد أن قتل من قتل من ضحاياه وشوه من شوه، وأعاد عليه ما حفظه من آيات وأمثال عن التوبة والغفران والرحمة، فرك السجين عينيه، نظر إلى سجانه الذي يحفظ ملامحه أكثر من ملامحه نفسه، وطلب منه أن يعيد الخبر، وكأنه لا يصدق ما تسمعه أذناه.

السجان: أعرف أن فرحك بالإفراج عنك بعد عشرين عاماً قضيتها بين هذه الجدران لا تعادلها فرحة، من حقك أن لا تصدق الخبر، ودموع الفرح التي تهطل من مقلتيك حق، (وبدأ يشاركه البكاء، لأول مرة منذ عشرين عاماً قضاها برفقته يرى دموع سجانه)، لكن مولانا حفظه الله يرأف برعيته، وقرر أن يخرجك أخيراً إلى أهلك أو من تبقى منهم، لتبني عائلة جديدة وتجد عملاً وستجد كم أن الحياة حلوة بعد توبتك، وتنسى جرائمك…

صرخ السجين بأعلى صوته: لا.. لا.. أريد أن أبقى هنا، لا أعرف مكاناً سوى هذه الغرفة الضيقة، لا آلف جدراناً سوى هذه الجدران التي رسمت بالحبر السري عليها حكاياتي وأحلامي، أرجوك سيدي، أرجو مولانا الملك، أبقوني هنا…ارتمى على يدي السجان وقدميه وهو يقبلها، أرجوك سيدي، وبدأ صوت بكائه وتوسلاته يعلو رويداً رويداً حتى أغلقت الستارة..

***

الطائر الجميل ذي الصوت الرخيم كان يملأ صباح الشرفة بتغريده، خاصة عندما يرى صاحبه يتقدم من القفص الصغير ليقدم له وجبته اليومية الحافة بأطايب الطعام المستورد خصيصاً له، كان يزيد في تغريده نغماً عندما يشاهده، فيما ابتسامته كانت تتسع للمدينة وهو يشاهد طائره يرحب به بفرح وسرور..

الرجل كان يقرأ كثيرا من الكتب، وقرأ في قصائد لشاعر يدعى رياض الصالح الحسين:

(انظروا إليه

انظروا إليه

لقد تعفن جسده

وما زال يحمل راية الحرية)!

قرأ الشعر ونظر إلى طائره الذي لما يزل غض الجسد فتي القوام جميل الصوت وهو في قفصه الملون..

قال في نفسه: سأجترح ثورتي وأخرج طائري العزيز المدلل إلى الحرية…

تقدم منه، ألقى عليه نظرة وداع مليئة بالحب وفتح باب القفص، تأمل الطائرُ البابَ المفتوح، الأشجار العالية المحيطة بالمكان، السماء الزرقاء الفسيحة، الطيور الأخرى وهي تتنقل بين الأغصان وسقوف القرميد، تتبادل الحب والغناء، انطلق عبر الباب المفتوح وهو يشيع صاحبه بنظرة اعتذار.

 لم يكد يصل إلى أقرب شجرة حتى أنهكه التعب، جناحه لم يتعود على الطيران خارج قفصه الصغير، نظر إلى الطيور المتناثرة على الأغصان بجواره، وجد نفسه غريباً عنها، بعد قليل أحس بالجوع والعطش، لم يأت أحد ليطعمه ويسقيه، كانت كل الطيور تسعى في السموات الفسيحة وبين أغصان الشجر، ثم تنزل إلى الأرض تلتقط ما تراه من قوت.. نظر إلى الأسفل، أحس بالدوار، نظر إلى الأعلى، غامت عيناه، نظر إلى القفص وجد بابه ما يزال مفتوحاً، بصعوبة بالغة حرك جناحيه المتعبين ومضى بالسرعة الممكنة إلى قفصه الوثير..

العدد 1140 - 22/01/2025