هل موازنتا 2012 و2013 رشيدتان؟
يعيش الوطن العربي كله، خاصة القطر العربي السوري،حالة حرب، فأين هو اقتصاد الحرب؟ نحن مهددون بالغزو والاحتلال، ومثال القطر العربي الليبي، المدمى، لا يزال قائماً، فماذا أعددنا لمواجهته؟ مستوى الأجور في القطر العربي السوري منخفض جداً، وهو حتى أخفض من مثيله في دول الجوار، فلماذا الإصرار على تجاهل هذا الواقع المرير،الذي يسبب انخفاضاً في الإنتاجية وظلماً اجتماعياً شديدين؟ لم ترفع الأجور منذ فترة،بل تم التعويض عن جزء يسير من تآكل الأجور الدائم بسبب التضخم المستمر.التضخم هو آلية لسحب النقود من جيوب المشتغلين بأجر والفلاحين، ووضعها في جيوب أصحاب الشركات الكبيرة والصغيرة!
بلغت الموازنة الاستثمارية لعام 2012 مبلغ 375 مليار ل. س، وهي صغيرة جداً، والموازنة الاستثمارية لعام 2013 أقل بـ 100 مليار ل س، أي 275 ملياراً! وعندما نقارنها بأسعار 2000 الثابتة، تنخفض إلى أقل من النصف، وتعادل موازنة عام 2000 فقط! ولا تراعي نتائج الحصار الاقتصادي والعقوبات الاقتصادية والخلل الكبير الذي نجم عن السياسات الاقتصادية في السنوات السابقة التي أملاها العدو الغربي عبر فريقه الاقتصادي، بإدارة المستشار الدردري، تلك التي فاقمت البطالة وارتفاع الأسعار، مما خفض القدرة الشرائية لجميع المشتغلين بأجر وللفلاحين وغيرهم، فسببت الاحتقان الشعبي الكبير بشكل لم يسبق له مثيل. وخططت لذلك كي تبتز القطر على أمل أن يرضخ لمطالبها التي أعلنتها في بداية الأحداث، من التخلي عن التحالف الاستراتيجي مع فصائل حركة التحرر العربية: المقاومة الباسلة في فلسطين والعراق ولبنان، وكذلك مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
تلك السياسة بدأت بخصخصة القطاع العام ومنعه من تجديد وسائل الإنتاج لديه، وأغرقته هو والقطاع الخاص في منافسة غير متكافئة مع الخارج، بتخفيض الرسوم الجمركية، وهدم الجدار الجمركي، وإقامة المناطق الحرة مع تركيا، ناهيك بالآثار المدمرة للأعمال الإجرامية التي يديرها العدو الغربي الأمريكي الأوربي الصهيوني بأموال عربية منهوبة من الموارد النفطية في السعودية وقطر وغيرها، والتي ألحقت أضراراً جسيمة بشتى القطاعات الاقتصادية، وخصوصاً الصناعة والبنية الفوقية، من مدارس وإدارات وغيرها، والبنية التحتية من خطوط حديدية وأنابيب نفط ومحطات توليد الكهرباء وغيرها. ومن المتوقع أن تتفاقم مع ارتفاع أعمال القتل والتدمير.
ينبغي أن تكون الموازنة الاستثمارية لعام 2012 أكثر من 1000 مليار ل س، بحيث توفر نصف مليون فرصة عمل خلال عام ،2012 وتكون موازنة 2013 مثلها أيضاً ويزيد، على فرض أن وسطي توفير فرصة العمل الواحدة يكلف نحو مليونَيْ ل.س، بحيث يتوفر مليونا فرصة عمل خلال الخطة الخمسية الحادية عشرة الحالية، علاوة على ما يوفره القطاع الخاص (لمزيد من التفصيل انظر: (المطلوب: مليونا فرصة عمل في الخطة الخمسية الحادية عشرة!) جريدة قاسيون – دمشق- تاريخ 11/6/،2011 صفحة 7). يقول بيان الحكومة المالي حول مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2013:
(… سورية اليوم مازالت تمر بظروف استثنائية صعبة لم يسبق أن مر بها أي بلد،حرب كونية مقترنة بفرض أشد العقوبات الاقتصادية والسياسية عليها).
لم يتوقف العدو الاستعماري عن غزوه للوطن العربي، فبدأ في الصومال، وتابع في العراق بحرب جوية عام ،1990 وبعد حصار بربري استمر منذ ذلك التاريخ جاء الغزو البري عام 2003 الذي قتل أكثر من مليون وجرح وشرد الملايين، فتصدت له المقاومة البطلة بأكثر من 80 عملية فدائية يومياً، حتى عام ،2008 وسببت لمليون جندي أمريكي مرض (الرض العصبي). وطالب الاقتصادي الأمريكي المعروف شتيغليتس في كتابه (حرب الثلاثة تريليونات دولار) جيوش بلاده بمغادرة العراق بأسرع ما يمكن،حتى لا يكون ذلك مذلاً جداً. وأعلن العدو بدء انسحابه. ثم جاء إلى لبنان عام ،2006 فتصدت له المقاومة الباسلة وانتصرت عليه. ثم جاء إلى غزة عام ،2008 فتصدت له المقاومة الباسلة (بأسنانها) رغم الحصار المتوحش. وجاء إلى ليبيا عام 2010 فدمر فيها 000,10 موقع، فسبب دماراً تقدر كلفته ب 500 مليار دولار. ثم جاء إلى القطر العربي السوري مطلع عام ،2011 ولا يزال عبر المرتزقة (العرب) و(المسلمين) وغيرهم الذين ينقلهم من ميدان معركة إلى آخر. وبلغت الخسائر المادية أكثر من 2000 مليار ل.س حتى الآن. ومن المنتظر أن ترتفع مع استمرار حرب الاستنزاف، التي قد تتطور إلى غزو بري كما حصل في العراق وليبيا، تنتظر فرصة دولية سانحة تتراجع فيها روسيا والصين الدولتان العظميان عن ممانعة هذا الغزو!
بدأ حراك اجتماعي سلمي إيجابي احتجاجاً على السياسات الاقتصادية، فحرك العدو الغربي مرتزقته للقيام بالأعمال المسلحة، التي تصاعدت وتيرة تخريبها يوماً بعد يوم، ليغطي على الحراك الاجتماعي السلمي ويمنع الحوار،الطريق الوحيد للوصول إلى بر السلامة ومحاربة الفساد وتطوير الاقتصاد والمجتمع. بلغت البطالة 50% من القادرين على العمل، وجاءت اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، لتفاقمها، فأفلس الكثير من ورش الأثاث في سقبا وغيرها. وارتفعت البطالة لتطول أكثر من مليون ونصف مليون. وسبَّب الحصار الاقتصادي نقصاً في تأمين مستلزمات الإنتاج للكثير من المصانع لأن مصدرها العدو الغربي. ولا تزال الجهود لتوفير بدائل من دول صديقة أو غير عدوة لا ترقى إلى مستوى المسؤولية وبطيئة جداً بشكل مريب.
ألم يكن من الرشاد فعل ذلك منذ الحرب الجوية على العراق،بأنها مسألة وقت فقط حتى يجيء دور القطر العربي السوري؟ أو منذ أن صدر قانون معاقبة سورية منذ أعوام عديدة؟ ألا يزال البعض يراهن على عودة العلاقات مع العدو الغربي كما كانت قبل عام 2011؟! جففت السياسة الاقتصادية العديد من مصادر تمويل الإيرادات الحكومية الرئيسية، وهي:
أولاً: تخفيض التصاعد الضريبي على الأرباح وترك الأبواب العريضة مشرعة للتهرب الضريبي، في صياغة القوانين الضريبية عبر الأرباح المقدرة المقطوعة وغيرها والذي يقدره البعض بـ 200 مليار ل.س سنوياً. وإذا أخذنا عام 2010 نجد أن الناتج المحلي الإجمالي بسعر السوق وبالأسعار الجارية بلغ 2714 مليار ل.س . وحصة القطاع الخاص هي 65% كما تقدرها وزارة المالية، والذي بلغت حصيلة دخل الأرباح الحقيقية للقطاع الخاص 57,24 مليار ل.س فقط عام ،2010 أي بما يعادل 1814 مليار ل.س، بمعدل 35,1% فقط!
واضح أن الكثيرين لا يدفعون ضريبة دخل تتناسب مع دخولهم إطلاقاً، حتى بعد تخفيض التصاعد الضريبي تصاعداً كبيراً جداً. فلو كان وسطي الضريبة 25% لكانت الحصيلة 453 مليار ل س، أي أكثر بـ 22 ضعفاً من الضريبة الحقيقية المحصلة! خاصة الكثير من التجار رغم أرباحهم الفاحشة التي ارتفعت كثيراً منذ بداية الأزمة في العام الماضي بسبب الاحتكار وتطبيق (اقتصاد السوق) المنفلت من القيود، نموذج القرن التاسع عشر وليس القرن الحادي والعشرين. فمهمات الإدارة الاقتصادية في الدولة الرأسمالية في خطوطها العريضة هي الحفاظ على ثبات الأسعار وتحقيق العمالة الكاملة وتحقيق التوازن بين الواردات والصادرات، فإن ما يدفعونه زهيد جداً مقارنة بما ينبغي عليهم دفعه.
ثانياً: عبر (تجميد) القطاع العام وترك (صندوق الدين العام) (يجرمه) فيأخذ الأرباح والضرائب وفائض السيولة فوق ذلك. ومنعه من فتح جبهات عمل جديدة في حالات كثيرة ومن تجديد رأسماله الثابت من معدات وآلات وتوفير مستلزمات الإنتاج لديه. وتحميل شركاته وبعض مؤسساته عبء الدعم، ليبدو خاسراً، عوضاً أن تتحملها الخزينة، ثم التمهيد لخصخصته بذريعة أنه خاسر! في محاولة لإرضاء العدو الغربي. علماً أن العدو مهما تراجعت أمامه فلن يرضى، بل يفرض المزيد!
ثالثاً: عبر التخفيض الشديد للتعرفات الجمركية وإزالة الجدار الجمركي، مما وضع شركات القطاع العام والخاص في وضع تنافسي غير عادل، لأنها لم تتطور بعد بما يكفي لتصبح قادرة على المنافسة، بدءاً من رأسمالها الصغير بعشرات ملايين الليرات السورية مقارنة بمثيله في الدول الصناعية بعشرات ومئات مليارات اليورو!
يذكر بيان الحكومة المالي حول مشروع الموازنة لعام 2013 أن الإيرادات المحصلة تراجعت عام 2012 كثيراً: من 100 مليار ل.س ضريبة دخل الأرباح الحقيقية للقطاع العام عام 2011 إلى 9,28 مليار ل.س عام 2012. وتراجعت ضريبة دخل الأرباح للقطاع الخاص من 57,24 مليار ل.س عام 2011 إلى 7,23 مليار ل.س. وتراجع إجمالي أهم بنود الضرائب المباشرة من 178 مليار ل.س عام 2011 إلى 5,61 مليار ل.س عام 2012. وتراجع إجمالي الضرائب والرسوم غير المباشرة من 6,106 مليارات ل.س عام 2011 إلى 2,48 مليار ل.س عام 2012. مع العلم أن نسب التنفيذ في الإنفاق الاستثماري تراجعت باستمرار من 75 % عام 2008 إلى 44% عام 2011 وإلى 24 % عام 2012.
تراجع العبء الضريبي في القطر العربي السوري من 2,17% عام 2001 إلى 3,10% عام ،2011 فهل هذا رشيد؟ علماً أن العبء الضريبي في الدول الصناعية والكثير من الدول الناهضة،يصل إلى 50% مع الضمان الاجتماعي والصحي! ينبغي توفير موارد لاستثمارات كبيرة لتطوير الاقتصاد وتجهيز الجيش بأحدث الأسلحة لمواجهة أي غزو يحصل. هذا واجب وطني على الجميع تحمل أعبائه، كل بما يتناسب مع دخله .
مهمات ملحة ينبغي إنجازها في الخطة الخمسية الحادية عشرة
– توفير مليوني فرصة عمل للقادرين على العمل.
– رفع الأجور لتضمن حياة كريمة للمشتغلين، وإنتاجية مرتفعة لهم.
– تشييد عشرات المدن الصناعية موزعة على كامل مساحة القطر.
– تشييد عشرات المدن السكنية الجديدة لقرابة ثلاثة ملايين نسمة سيولدون خلالها،أي قرابة 6,0 مليون مسكن، مضافاً إليها 4,0 مليون مسكن لإيواء جزء من المقيمين في مناطق السكن العشوائي،أي مليون مسكن جديد.
– تشييد شبكة مكهربة عصرية سريعة بسرعات 350/500 كم/ساعة من الخطوط الحديدية تصل جميع المدن الجديدة والقديمة بعضها مع بعض.
– ري 4 ملايين هكتار عبر جمع حصة من مياه الأمطار التي تهطل سنوياً أكثر من 50 مليار م3 ونقلها عبر أنفاق إلى الداخل، علماً أن سعة السدود الساحلية والداخلية القريبة تعادل نصف مليار م3 تستخدم لجمعها وتضخ يومياً خلال الفترة المطرية التي تستمر قرابة 100 يوم.نحتاج إلى حفارات أنفاق وأقنية، فالمياه متوفرة تأتينا من السماء، وكل ما علينا هو قطافها ونقلها وتوزيعها.
– تشييد هيكل صناعي للصناعة الثقيلة، وبضمن ذلك صناعة السلاح، بالتعاون مع الدول الصديقة مثل الصين وروسيا والهند وإيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وغيرها، بدءاً من صناعة الخطوط الحديدية وعربات القطار وتجهيزات الطاقة الشمسية وتجهيزات المساكن المسبقة الصنع.
– تشييد منشآت ضخمة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية.
– التعويض على المواطنين الذين تهدمت منازلهم، بإسكانهم في مساكن جديدة، وللمصانع لقاء الأضرار التي لحقت بهم، بتقديم دعم سخي لها للانتقال إلى المدن الصناعية لشراء معدات جديدة أكثر تطوراً. وللتعويض على الشركات الأخرى وجميع المواطنين وإصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والفوقية إلخ.
– زيادة موازنة التعليم بحيث تتحقق مجانية التعليم للجميع، وتختفي المدارس والجامعات الخاصة.
مصادر لتمويل الاستثمار
– نظام ضريبي جديد.كان العبء الضريبي 2,17% عام ،2001 وانخفض إلى 3,10% عام ،2011 ينبغي رفعه إلى 35% خلال الخطة الخمسية الحادية عشرة على الأقل، مع ضخ استثمارات كبيرة للتطوير الاقتصادي.
– القطاع العام بعد تحريره من صندوق الدين العام وغيره من الإدارات المكتبية، ليعود بأرباحه المتنامية أهم ركائز الاقتصاد ومصادر تمويل الموازنة وتوفير فر ص عمل مستدامة كثيرة.
– الرسوم الجمركية على الواردات وصادرات المواد الخام.
– قروض داخلية من إيداعات المواطنين.
– عبر القيام بمشاريع صناعية مشتركة مع دول صديقة مثل روسيا والصين والهند وإيران وفنزويلا، وليس (مناطق تجارية حرة) لا نجني منها غير الخسارة، ومثال المنطقة التجارية الحرة مع تركيا دليل واضح جداً.