حين قرّت عين أفلاطون

يطرح الفيلسوف اليوناني العظيم أفلاطون في كتابه الشهير (الجمهورية) فكرة الفيلسوف الملك أو الملك الفيلسوف حلاً مثالياً لإشكالية السلطة، والعلاقة المعقدة بين الحاكم والمحكوم، ويعتبرها بديلا  موضوعياً حتمياً عن نظم الحكم الأخرى كالحكومة الارستقراطية أو الديمقراطية، فالفيلسوف بما يتمتع به من مواصفات ومؤهلات أخلاقية وعقلية وثقافية وغيرها هو خير من يؤتمن على مصير الأمة، ولأن أفلاطون يدرك مدى طوباوية الفكرة من حيث أن الفيلسوف هو أبعد ما يكون عن أجواء عملية صناعة الحكام وأدواتها وحيثياتها البعيدة كل البعد تاريخياً عن روح الفلسفة ومثاليتها، فقد تحدث مطولا عن آليات بديلة لإنتاج هذا النموذج الحلم.

البعض يرى أن هذه الفكرة، بالرغم من مثاليتها وطوباويتها، حظيت بفرصة التجسد على أرض الواقع أحياناً وإن بشكل جزئي، كما حصل حين تولى الفيلسوف الإنكليزي صاحب المذهب العقلي فرنسيس بيكون (1561- 1626) منصب رئيس وزراء إنكلترا، ولا شك أن هذه التجربة الرائدة قد أثمرت بعض النتائج الإيجابية، ولكنها ظلت دون المأمول لاعتبارات شتى لعل أهمها مرتبط بمحدودية الصلاحيات التي يتمتع بها صاحب هذا المنصب بالقياس إلى السلطات المطلقة لحكام عصر أفلاطون وما سبقه، وبالنتيجة.. كان على البشرية أن تنتظر بضعة قرون أخرى لتحظى بفرصة التجسيد الأمثل لفكرة الفيلسوف الملك مع استيفائها كل الشروط والمواصفات التي حلم بها أفلاطون.

وجرياً على عادته في مخالفة التوقعات ومباينة الاستقراءات، ها هو ذا التاريخ يجود بالمخلص المأمول في غير الزمان والمكان المتوقعين.. لم يخرج المخلّص من أثينا أو باريس أو حتى واشنطن، بل اختار الخروج من رحم بيئة سياسية اجتماعية ثقافية لطالما اعتبرها الكثيرون رمزاً للتخلف نموذجاً للجهل.. من غياهب الزمن الذي نعت بالرداءة حيناً وبالانحطاط أحياناً، سطعت شمس الملك المخلص.

جلالة الملك المعظّم – طال عمره – شخصية العام 2014 الثقافية رغم أنوف الحسّاد والمشككين.. هذا ما ارتأته لجنة تحكيم إحدى أبرز الجوائز الثقافية في العالم العربي. أمين عام الجائزة الموقر تكرّم بتنويرنا موضحاً لا معللا : (إن فوز جلالته بالجائزة يأتي تقديراً لإسهاماته الكبرى الثقافية والفكرية والإنسانية والعلمية ولبصمته الفريدة في الواقع العربي والإسلامي المعاصر ولجهوده الحثيثة في نشر روح التسامح والإخاء)، متحذلق آخر من الجوقة ذاتها أردف والدمع يكاد يفيض من مقلتيه تأثراً: (إن شخصية الملك الاستثنائية طبعت عصراً بكامله وسجلت إنجازاته بحروف من نور ولا تزال إسهاماته في العالم أجمع مصدر إلهام واقتداء للشعوب..).

لاحظوا يا رعاكم الله وزن الكلمات ودلالتها: (إسهاماته الكبرى.. بصمته الفريدة.. جهوده الحثيثة.. عصراً بأكمله.. مصدر إلهام واقتداء..)!

بالله عليكم.. هل تصلح مثل هذه الكلمات العظيمة إلا لمن بشّر به أفلاطون؟ هل كانت لتقال إلا فيه؟ لعمري كفى بالفيلسوف فخراً وتيهاً أن يحظى ببعض هذا التقريظ الذي لو قيل في أفلاطون ذاته لاحمرّت وجنتاه خجلا .

هذه الكلمات المؤثرة، وهي غيض من فيض ما قيل في المناسبة، تؤكد بما لا يدع مجالا  للشك أننا إزاء طفرة إنسانية قلما تجود الطبيعة بمثلها، فما من شك أن القيمين على الجائزة ليسوا (أولاد امبارح) في هذا الشأن، وهم حتماً لم يتوصلوا إلى هذا الاختيار عبثاً أو بدافع من هوى (والعياذ بالله) بل عن دراية وخبرة وبعد بحث وتمحيص في تاريخ الرجل الحافل بالفتوح الثقافية والأدبية والعلمية وغيرها من ميادين النبوغ والعبقرية، من سواه يستحق هذا المقام وهو الذي طالما شغل أكاديميات العالم وجامعاته بطلته البهية الغراء محاضراً ومنظراً تهفو إلى عبقريته العقول العطشى للعلم والفكر وتتهافت للظفر بقبس من نتاجه الثر، الذي تتسابق كبريات مكتبات العالم لاقتناء كل جديد منه؟ أما عن البلاغة وحسن البيان فحدث ولا حرج، وأين قس بن ساعدة ونابغة بني ذبيان من خطبه العصماء على منابر القمم والمؤتمرات!!؟

أما رأيتم السيد الأمريكي كيف تجشم عناء عبور آلاف الأميال ليجلس بين يديه كتلميذ نجيب؟ أوتحسبونه قصده لعقد الاتفاقات وحياكة المؤامرات أو طمعاً بالنفط؟ حاشا وكلا، يقيناً أنه ما جاء إلا لينهل من معين حكمته الفياض وليستلهم من تجربته الرائدة في شتى المجالات..

في مجال حقوق المرأة مثلا .. وسلوا حرائر مملكته وغواني ما وراء البحار عن ريادته في هذا المجال.

وفي مجال الرفق بالحيوان ربما.. وهو الرائد في رعاية سباقات الهجن وانتخاب ملكات جمال الماعز،و لعله استفتاه في هذا السياق أيضاً – ولا حياء في العلم – في حكم التداوي ببول البعير.

أما عن شؤون السياسة والحكم فلا شك أن السيد الأمريكي – البارع في انتهاز الفرص – ما كان ليفوت هذه الفرصة الذهبية ليسترشد بهدي الملك الفيلسوف ويستلهم من تجربته الرائدة جداً في ميدان الديمقراطية والحريات الشخصية وتداول السلطة ونظريات الحكم وتدبير شؤون الرعية.

فيا أيها المثقف العربي التائه ما بين مدن الملح وممالك الرمال، ها هو ذا أفلاطون يسكب دموع الفرح لرؤية مشروعه المبتغى يتجسد واقعاً يثبت صحة ما ذهب إليه، فكفاك تذمراً وشكوى وبكاء على الأطلال.. هاك مثلك الأعلى بين يديك فاحتذ به، فما كل يوم يجود الدهر بملك مثقف فيلسوف.. وطويل عمر أيضاً!

العدد 1140 - 22/01/2025