البطالة ونتائجها الاجتماعية والاقتصادية (1من2)
البطالة حالة مرضية اجتماعية – اقتصادية – عالمية، توجد في كل بلدان العالم، وهي إحدى مخرجات ومفرزات الرأسمالية العالمية الطويلة الأمد، وهي أم الرذائل، والعيوب، والجرائم الفردية، والاجتماعية، وهي التي تدفع الناس إلى اليأس، وكل المحرمات والممنوعات، كتأجير النفس للارتزاق للقتل، أو التهريب، والمخدرات، والدعارة، والأمراض، والانتحار… إلخ.
وخير من عبر عن البطالة المطرب اليساري البلجيكي/الفرنسي الكبير الراحل جاك بريل بقوله:
(إذا أردت أن تقتل إنساناً فلا تطلق عليه الرصاص، ولا تعلقه بحبل المشنقة ولا تجلسه على الخازوق، ولا تسقه كأس السم، بل اجعل منه بطَّالاً، ليتحول إلى جثة متنفسة، تتجول في شوارع المدن الكبرى).
ويمكن تعريف البطال بأنه الشخص القادر على العمل، الراغب فيه، المحتاج إليه، ولكنه لايجده، وهو لايملك غير قوة عمله.
وقل لي بربك ماذا يستطيع أن يفعل ذلك العامل الفقير البطال الذي لايملك غير قوة عمله، إذا لم يجد عملاً؟ ومن أين له أن يأكل؟ أو يطعم عياله؟ أو يدفع أجرة سكنه؟ أو فاتورة الكهرباء؟ والتليفون والأقساط المتعددة.. إلخ؟ من دون أن يتسول أو يسرق أو يهرب أو يجرم؟
في الدول النانمية لايزال العاطل عن العمل يعاني الأمرين في البحث عن مصدر رزقه المستدام، وذلك بحمل عدة عمله البسيطة والوقوف صباحاً على قارعة الطريق، بانتظار من يكلفه بعمل ما، وقد يتسابق أو يتقاتل المنتظرون معاً على من منهم سيذهب أولاً مع المستأجر طالب العمل؟ وقد يضطر العامل أن يعمل بغير اختصاصه حتى يقدر أن يعيش.
وتخضع البطالة لمتغيرين ديناميكيين متسارعين لايمكن إيقاف أي منهما، وهما:
العامل الأول: التزايد السكاني الانفجاري الكمي العالمي.
العامل الثاني المؤدي لتزايد البطالة بعد التزايد السكاني هو: الثورة العلمية التكنولوجيية وتطور الآلة الميكانيكية إلى الأوتوماتيكية والكومبيوتر والروابط (الذي حل محل المئات والآلاف من العمالة العضلية والعقلية الذكية.
نوعية البطالة
الحقيقة هنالك أنواع كثيرة من البطالة: فهناك البطالة السافرة، ويعانيها كل (راغب في العمل وقادر عليه ومحتاج إليه – ولكنه لا يجده).
وهناك البطالة المقنعة، وهي أن لايستغل العامل طاقته الكاملة (الذهنية أو العضلية) بالشكل الأمثل (ولا يقرأ أو يطور نفسه ليحسن أداؤه).
وتظهر البطالة بشكلها الموسمي كفترات (الحصاد أو الحرث). والبطالة القطاعية (كقطاع البناء وقطاع السياحة والاستيراد والتصدير والنقل.. إلخ).
إن المجتمعات المتخلفة هي التي تعاني البطالة بشكل أكثر (لأن الاستثمارات فيها قليلة أو الخيارات أمامها ضئيلة، وخبراتها قليلة، وهي لاتجيد التقنية الذكية. وذلك بعكس المجتمعات المتطورة التي تتكدس لديها الثروات والاستثمارات والمسروقات من أيام الاستعمار القديم، وتتجمع لديها الخبرات من كل أنحاء العالم، وخاصة العمالة الذكية.
لذلك ينبغي إعداد المجتمع المتطور المنشود وفق مقولة ابن خلدون بقوله (إن الثروة الحقيقية للمجتمع: هي سكانه المحبون للعمل، المجيدون له، المبدعون فيه).
حجم البطالة
يتفاوت حجم البطالة من مجتمع إلى آخر حسب تطور أو تخلف هذا المجتمع، بغض النظر عن فقره أو ثرائه. فقد ترتفع البطالة في مشيخات الخليج إلى نسبة عالية بسب العمالة الوافدة من جهة، وعدم كفاية أو كفاءة الاختصاصات المحلية الفنية اللازمة للعمل من جهة أخرى، وغياب ثقافة حب العمل، والبرامج التربوية النظرية. وقد تصل في بعض البلدان المتخلفة كالصومال وموريتانيا إلى 54%. وحسب التقارير العالمية ومنظمة العمل العربية يبلغ متوسط البطالة في الوطن العربي بين 15و20% مقابل 6% عالمياً.
وتشير تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي إلى حاجة الوطن العربي إلى 22ألف وظيفة يومياً، أي ما يعادل 8 ملايين فرصة عمل سنوياً لمعالجة البطالة المستجدة سنوياً، غير المتراكمة، ومحاربة نسبة الفقر العربية التي تزيد على 15%.
إن خلق فرصة العمل الواحدة تقتضي استثمار 20ألف دولار كمتوسط أدنى بأسعار أواخر تسعينيات القرن الماضي، أي ما يعادل مليون ليرة سورية على أساس الدولار ب50 ل.س، وبما يقتضي أكثر من 5,1مليون ل. س على أساس الدولار بالسعر الحالي. أي على الدول العربية مجتمعة أن تستثمر يومياً في مجال خلق فرص العمل اليومية الجديدة ما يعادل 440مليون دولار.
ويشير موقع منتدى الشباب العربي إلى أن متوسط نسبة بطالة الشباب العربي نحو 25%.
أسباب البطالة العربية
تتنوع أسباب البطالة من مجتمع لآخر، وهي بشكل عام تنتج عن:
قلة الاستثمارات، وثقافة الكسل والتنبلة والاعتماد على التواكل وكراهية حب العمل المنتج، والبرامج التربوية النظرية التلقينية الكسولة التي لاتنمي حرية التفكير الذاتي لدى الطالب وإيجاد سيناريوهات الحلول المناسبة للمشكلات الحياتية الكثيرة والمتجددة. والنمو السكاني الانفجاري الكمي الذي يفوق النمو الاقتصادي المتذبذب أو المتقهقر. والإدارات المترهلة والفاشلة والفاسدة التي لاتجيد الإدارة، ولا تتخلى عنها. وغياب خيارات سيناريوهات فرص العمل، والجدوى الاقتصادية الممكنة لكل فرصة. وضعف هيبة الدولة، والاستقواء بالعشيرة، أو القبيلة، أو الأجنبي والتسابق في الإنجاب بين القوميات والعشائر والقبائل والطوائف على مبدأ:(أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً). والتسابق بين الزوجات الضرائر بالإنجاب حتى تأخذ حصة أكثر من الميراث. وقلة المتعلمين أو المهنيين المتميزين الذين تنفتح أمامهم فرص العمل أكثر. وهجرة العلماء والأطباء والمهندسين والفنيين والمبدعين المتميزين إلى حيث يجدون الفرص الأفضل لاختصاصاتهم ومؤهلاتهم ولحياتهم ولمستقبلهم.
أعراض البطالة
يمكن ملاحظة أعراض البطالة بالعين المجردة ومنها:
كثرة المتسولين، وكثرة باعة أوراق اليانصيب الجوالين، والباعة المتجولين. والاعتماد على التواكل وعلى الدعاء وثقافة:(ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكن عيداً لأولنا ولآخرنا _ المائدة 114) والعقلية الذكورية الشرقية المداومة على المقاهي وتعدد الزوجات المنجبات، العاملات. وقلة المسارح والسينمات والمكتبات والإبداعات التي تسلط الضوء على مشكلات البطالة وعلاجاتها. إضافة إلى المخدرات وجلسات ماضغي القات في اليمن اللاسعيد. والفوضى وزيادة حالات الارتزاق والجريمة والسرقة والاعتداءات والخطف بقصد الابتزاز والفدية والتداعيات الناجمة عنها. وممارسة الدعارة السرية المأجورة الممرضة والقاتلة. وغياب الإدارات الرشيدة والمبدعة. وتزايد ممارسي القرصنة الدولية كما في شواطئ الصومال بالمحيط الهندي والتعرض لاختطاف السفن من المياه الدولية. وكثرة جيوش المرتزقة، والبوابين في مصر، والحراس الشخصيين.. إلخ.
نتائج البطالة
في المجتمعات الطبيعية كمجتمعات (النمل والنحل والحيوانات البرية والطيور والأسماك والزواحف.. إلخ) يسود القانون الطبيعي (من لايعمل لايأكل). وفي مجتمع البطالة قد يستهلك من لاينتج وفق (مبدأ استغلال الإنسان للإنسان) كما في المجتمع الرأسمالي الاستغلالي الربوي. أو من الاقتراض أو التسول أو السرقة، أو من دعم الدولة، والجمعيات الخيرية والأفراد المحسنين..إلخ).
مما ينتج عن هذه الحالة كل ماهو سلبي من:
عطالة الراغب في العمل، والقادر عليه، والمحتاج إليه، ولكنه لايجده، وبالتالي يعيش طفيلياً على حساب المجتمع، وبالتالي: تزايد عدد المستهلكين عن عدد المنتجين، والحاجة إلى كمية استهلاك تزيد على كمية الإنتاج. والخروج على القوانين الطبيعية، أي يأكل دون أن يعمل، رغم أنه (راغب في العمل، وقادر عليه، ومحتاج إليه، ولكنه لايجده). فيضطر (تحت تأثير قانون غريزة حب البقاء) إلى اختراق القوانين الوضعية والمحرمة. ثم تفريغ الشحنات السلبية لدى البطال ليلاً بعملية التفجير السكاني وانفجار مشكلات المجتمع من عجز (مائي وغذائي وسكني وطاقوي.. إلخ).