قرض الصندوق بين ترياقِ شافِ وسم قاتل

أن يكون محور الحديث المحتدم حول مائدة الإفطار المتنقلة الجامعة لكوكبة من المرابطين على خط الفقر من عمّال وعساكر وحراس عقارات وأفراد أمن وعاطلين في حي غاردن سيتي 8,4 مليارات دولار، فهذا مثير للضحك. وأن يتطرق المتحدثون إلى مغبة دين بهذا الحجم على التوزيع غير العادل للدخول، فهذا مثير للدهشة. وأن يشدد الحضور على ضرورة إيقاف الاستدانة فوراً إلا إذا اتسمت محادثات الزوار الأجانب بالشفافية، فهذا مثير للإعجاب.

لكن حين يقف أحدهم محذراً من أن حاميها قد يكون حراميها، مشيراً إلى أن مسؤولين كباراً في صندوق النقد الدولي نفسه وردت أسماؤهم في قضية فساد مالي، هنا تصبح الدهشة واجبة والاحترام ضرورة.

وانتهى إفطار أمس بتلخيص للمائدة المستطيلة بقول شعبي مأثور قاله أحدهم ووافق عليه بالإجماع كلهم: (يا واخدة القرد على ماله، يروح المال، ويبقى القرد على حاله)!

حال الحوار المجتمعي الذي صدرت إشارات رئاسية بضرورته، وتردد صداه في أنحاء وزارية عدة، وجلجلت الإشادات به في أرجاء الجماعة، وأثنى عليه الحلفاء من الجماعات السلفية بين مطالبات بحتمية قرض صندوق النقد وتصريحات عن وردية مستقبل القرض الذي سيفتح آفاق الاستثمار ويمهد سبل الاقتصاد ويعبد طريق الاستقرار، تبلورت أمس في هذا الإفطار الجماعي الذي تحول حواراً مجتمعياً متزامناً مع زيارة بعثة الصندوق.

وسيكتب التاريخ أن هذه هي المرة الأولى التي يستنفر فيها الشارع المصري استعداداً لوصول بعثة صندوق النقد الدولي اليوم لمناقشة القرض المزمن المتأرجح المتذبذب الملائكي حيناً، بحسب الجماعة الحاكمة وحلفائها من التيارات الدينية التي حولت (ربا) الفائدة (مصروفات إدارية)، والمتشيطن حيناً بحسب المعارضة المتشرذمة وحلفائها من التيارات الكنبوية التي سارت في الطريق المعاكس معيدة (فائدة) القرض إلى خانة (الربا)، وإن رآه بعض أطرافها ضرورة.

ورب مصادفة تكمن في توقيت زيادة أسعار أسطوانات غاز الطهي وتضخم في فاتورة الغاز وتفجر في طوابير السولار (وقود الكيروسين) خير من ألف تخطيط مسبق للزيارة المرتقبة التي تسارع دقات قلوب النظام الحاكم رغبة في القرض وأملاً في الوعد بمد يد العون لانتشال البلاد من خطر اقتصادي محدق، حتى وإن كان انتشالاً موقتاً سرعان ما يتبعه انتكاس، وترفع قرون استشعار المعارضة خوفاً من الدَّين ورعباً من مزيد من الانكماش والتقشف.

العاملة البسيطة سيدة التي تعاني الأمية لكن تتمتع بكل الأهلية والخبرة الحياتية التي تمكنها من أن تُدلي بدلوها في شأن قرض صندوق النقد الذي كان مرتقباً ويبدو أنه بات مستعصياً، تقول: (حين كتبت وصل أمانة ب500 جنيه كدت أن أدخل السجن، فما بالك بدولة بأكملها تستدين. السلف تَلَفٌ والرد خسارة).

لكن رد دوائر الحكم في ما يختص بقرض الصندوق يدور في فلك واحد لا ثاني له: (الشريحة الأولى من القرض في حزيران (يونيو) المقبل)، (نقترب من الحصول على قرض صندوق النقد)، (قرض الصندوق ضرورة حتمية)، (قرض صندوق النقد ضرورة شرعية)، (الحرية والعدالة: قرض صندوق النقد آخر كانون الثاني، أول شباط، منتصف آذار، ربع نيسان)، وأخيراً، (الإجراءات الاقتصادية الحالية لا علاقة لها بشروط الصندوق).

ويبدو أن القاعدة العريضة من المصريين لديها القدرة على التعايش مع كل ما سبق من تصريحات رسمية، تصديقاً أو تجاهلاً أو تفاعلاً، لكن الأخير وقف عصياً على أي منها. حازم جن جنونه حين تسلم فاتوة الغاز الطبيعي بقيمة 67 جنيهاً، وهو الذي لم ترتفع فاتورته يوماً على عشرة جنيهات. أم أحمد لطمت خديها حين عرفت أن السعر الرسمي لأسطوانة الغاز أصبح ثمانية جنيهات بعدما أجرت عملية حسابية بسيطة أيقنت منها أن الأسطوانة ذات الجنيهين والنصف كانت تباع ب40 جنيهاً في أوقات الأزمات، وهو ما يعني أنها ستباع ب160 جنيهاً إرضاء للصندوق.

(صندوق بلا قلب، ولا يرى الفقراء! وكل الإجراءات الحالية من رفع أسعار وتقليص دعم وكوبونات مرتقبة على الوقود وغيرها تنال من الفقراء أكثر من الأغنياء. أعضاء وفد الصندوق سيخطون خطواتهم في القاهرة على رقاب الغلابة ويصاحبهم في خطواتهم تلك أولو الأمر)، هكذا قال الطبيب خالد فتحي وهو يستمع إلى المغني والملحن ياسر المناوهلي وهو يغني لصندوق النقد: (صندوق النقد ياصندوقه، سُمُّه في الشهد، مين هايدوقه؟ الحقني في عرضك، كلبشني بقرضك، ارتع في بلادنا، واعتبرها أرضك. ياحاطط إيدك في جيوبنا، ياشريك حياتي، يامضبط ميزانياتي. صندوق النقد ياصندوقه).

زيارة البعثة اليوم ستواجه قلقاً شارعياً من مليارات الصندوق المهددة بالتقلص، ومعارضة سياسية من جانب مجموعات بعضها يناهض فكرة الاستدانة أصلاً، وبعضها لا يمانع ويطالب بالشفافية في ما يخص القرض، وفريق ثالث يعارض كل ما يروّج له (الإخوان)، لا سيما في ظل غياب تام وكامل للرؤى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

لكن البعثة ستقابل محبي القرض وداعمي الرسوم الإدارية على خلفية المشروع الإسلامي ومؤيدي الصندوق، وهو ما دفع هواة السخرية إلى توجيه دعوات مفادها: (تحذير هام للمصابين بهوس الصندوق. الصندوق الذي أتى بأول رئيس مدني منتخب يختلف شكلاً وموضوعاً عن صندوق النقد. الصندوق فيه سم – عفواً – قرض قاتل). ودائماً وأبداً، وكما جرت العادة الاستقطابية، يرد الطرف الآخر: (وكم من ترياق – عفواً – قرض أنهض أمماً)!

 

نقلاً عن الحياة اللبنانية

العدد 1140 - 22/01/2025